كنانة نيوز –
عدنان نصار يكتب:
جامعة اليرموك… عندما تصبح الاستقالة رسالةً لا يستطيع أحد تجاهلها
ليست الاستقالات الجماعية في مجالس الجامعات حدثًا عابرًا يمكن المرور عليه مرور الكرام، ولا يجوز اختزالها في خلافات إدارية عادية أو تباين في وجهات النظر. فعندما يقرر عدد من أعضاء مجلس جامعة بحجم وقيمة جامعة اليرموك مغادرة مواقعهم في وقت واحد، فإن الرسالة تتجاوز الأشخاص، وتصل مباشرة إلى طريقة إدارة المؤسسة، وإلى طبيعة المناخ الذي تُصنع فيه القرارات.
جامعة اليرموك ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي أحد أهم المشاريع الوطنية التي بناها الأردنيون على مدى عقود. خرجت أجيالًا من العلماء والأطباء والمهندسين والمفكرين والإعلاميين، وكانت لعقود عنوانًا للتفوق الأكاديمي والانفتاح الفكري. ولذلك، فإن أي اهتزاز يصيب هذه المؤسسة لا يبقى داخل أسوارها، بل ينعكس على صورة التعليم العالي الأردني بأكمله.
اللافت أن الجامعة تعيش منذ سنوات على وقع أزمات متلاحقة؛ مرة بسبب العجز المالي، وأخرى بسبب قرارات إدارية مثيرة للجدل، وثالثة بسبب الاحتقان الذي يتكرر بين الحين والآخر. وكل أزمة كانت تُدار بوصفها حالة منفصلة، بينما الحقيقة أن تراكم الأزمات يشير إلى خلل يحتاج إلى مراجعة شاملة، لا إلى حلول مؤقتة.
اليوم، ومع الاستقالات الأخيرة، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: لماذا يصل أعضاء مجلس جامعة، وهم جزء من أعلى سلطة في رسم السياسات، إلى قناعة بأن الاستقالة هي الخيار؟ وما الذي يجعل البقاء أقل جدوى من المغادرة؟ هذه أسئلة لا ينبغي أن تُقابل بالصمت، لأن الصمت يفسح المجال للشائعات، ويضعف الثقة، ويزيد من حالة القلق داخل المجتمع الجامعي.
إن الجامعات لا تُدار بمنطق القرار الأحادي، ولا بالاجتهادات الفردية، بل بمنظومة مؤسسية تقوم على الحوار، واحترام الرأي الآخر، والاستناد إلى الخبرة والدراسات قبل اتخاذ القرارات، خصوصًا عندما تمس حياة العاملين والطلبة ومستقبل المؤسسة. فالجامعة ليست دائرة حكومية تقاس فيها الأمور بسرعة التنفيذ، وإنما مؤسسة فكرية تُبنى فيها الثقة بالتشاركية والشفافية.
وإذا كانت الظروف الاقتصادية الصعبة تفرض على الجامعات البحث عن موارد جديدة، فإن ذلك لا يعفيها من الحفاظ على هوية الحرم الجامعي وقيمه. فكل استثمار يجب أن يُقاس أيضًا بمدى انسجامه مع رسالة الجامعة وبيئتها التعليمية، لا بالعائد المالي وحده. لذلك فإن الجدل الذي أثير حول وجود مقهى للأرجيلة في استثمار داخل أراضي الجامعة، بمحاذاة كلية التمريض، لا ينبغي النظر إليه باعتباره تفصيلًا صغيرًا، بل باعتباره سؤالًا عن الأولويات، وعن الصورة التي نريد أن تعكسها جامعاتنا أمام طلبتها وأسرهم والمجتمع.
ولا يتعلق الأمر هنا بمقهى أو باستثمار بعينه، بل بالفلسفة التي تحكم القرار. فالجامعة التي تربي أجيالًا على قيم العلم والانضباط والبيئة الأكاديمية مطالبة بأن تكون جميع قراراتها منسجمة مع هذه الرسالة، لأن الرمزية في المؤسسات التعليمية لا تقل أهمية عن الجوانب المالية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي جامعة ليس العجز المالي، فالعجز يمكن معالجته بخطط وإصلاحات، وإنما عجز الثقة. وعندما يشعر أعضاء في مجلس الجامعة، أو أكاديميون، أو موظفون، أو طلبة، بأن صوتهم لا يجد طريقه إلى القرار، فإن المشكلة تصبح أعمق من أي رقم في الموازنة.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس إصدار بيانات مقتضبة، ولا الاكتفاء بتفسير ما حدث باعتباره أمرًا طبيعيًا. المطلوب مصارحة المجتمع الجامعي، والإجابة عن الأسئلة التي تشغل الرأي العام، وفتح حوار حقيقي يعيد الاعتبار للعمل المؤسسي، لأن الجامعات لا تقاد بالقرارات المغلقة، بل بالنقاش المفتوح والثقة المتبادلة.
إن جامعة اليرموك أكبر من أي إدارة، وأكبر من أي مجلس، وأكبر من أي مسؤول. فهي ملك للأردنيين جميعًا، ورصيد وطني لا يجوز أن يتحول إلى ساحة لتراكم الأزمات أو لتبادل الرسائل الصامتة عبر الاستقالات.
قد تكون الاستقالات نهاية مرحلة، لكنها قد تكون أيضًا بداية مراجعة مطلوبة، إذا امتلك الجميع شجاعة الاعتراف بأن المؤسسات الكبرى لا تُحمى بالصمت، بل بالنقد المسؤول، ولا تستعيد قوتها بالدفاع عن الأخطاء، بل بتصحيحها.
ويبقى الأمل أن تتحول هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، ومراجعة آليات اتخاذ القرار، وإحياء قيم الحوكمة والشفافية، حتى تستعيد جامعة اليرموك حضورها بوصفها منارة علم، لا عنوانًا لأزمة جديدة في سجل التعليم العالي الأردني.
فالجامعات تُبنى بالعقول، لكن استمرارها وهيبتها لا يتحققان إلا بالإدارة الرشيدة، والعدالة، والقدرة على الاستماع قبل إصدار القرار.