كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
إربد… دوار البريد وظلُّ المثلث الإسمنتي
قبل أن تتكاثر الدواوير، وتتشابك الطرق، وتغدو السيارات أكثر من المارة، كان لمدينة إربد قلبٌ يخفق في وسطها، يعرفه الجميع، ويهتدون إليه كما يُهتدى إلى عنوان قديم لا تخطئه الذاكرة. هناك كان دوار البريد؛ مكانًا لم يكتسب أهميته من اتساعه، بل من حضوره في حياة الناس، حتى أصبح جزءًا من يوميات المدينة، وواحدًا من أكثر معالمها رسوخًا في وجدان أبنائها.
في قلب الدوار، انتصب مثلث إسمنتي متواضع، بثلاثة أضلاع متساوية، لم يكن تحفةً معمارية، ولا معلمًا سياحيًا يلتقط الناس عنده الصور. كان أبسط من ذلك كله، لكنه كان أكبر من مجرد كتلة إسمنتية. كان علامةً يهتدي بها القادمون، ونقطةً تبدأ منها المواعيد، وتنتهي عندها الرحلات القصيرة في وسط المدينة. وما أكثر ما ردد أبناء إربد عبارة: “نلتقي عند دوار البريد.” فلم يكن أحد يحتاج إلى شرح إضافي، فالمكان كان معروفًا كما تُعرف البيوت القديمة بأصحابها.
من حول الدوار، ازدحمت المحلات التجارية التي كانت تشكل شريان الحياة الاقتصادية في المدينة. محال الأقمشة، والأحذية، والمكتبات، والصيدليات، والمخابز، ومحلات التسجيلات، كانت تتجاور في مشهد يفيض بالحركة والألفة. وكان أصحابها يعرفون زبائنهم، ويتبادلون معهم التحية والسؤال قبل البيع والشراء، في زمن كانت العلاقات الإنسانية جزءًا من روح السوق، لا هامشًا عليها.
ولأن عدد السيارات كان محدودًا، بقيت المدينة للمشاة أكثر مما كانت للمركبات. كانت الأرصفة تضج بالحياة، والناس يعبرون الشوارع بهدوء، يتوقفون لإلقاء السلام، أو لمصافحة صديق، أو لاحتساء فنجان قهوة على عجل. لم يكن الزمن يركض كما يفعل اليوم، بل كان يمنح الناس فسحةً لعيش تفاصيله الجميلة.
إلى الشمال مباشرة، كان يمتد شارع الشهيد، الذي ظل أبناء إربد يصرون على تسميته شارع السينما، لأن الأسماء التي تولد من ذاكرة الناس أطول عمرًا من الأسماء التي تفرضها اللافتات. كان الشارع امتدادًا طبيعيًا لدوار البريد؛ بالحركة، والمقاهي، والباعة، وواجهات المحلات، ووجوه الشباب الذين جعلوا منه مساحةً للقاء، كما جعلوا من الدوار بوابةً إلى المدينة.
كان المثلث الإسمنتي يقف بصمت، لكنه كان يرى كل شيء. شهد تعاقب الفصول، وودّع أجيالًا، واستقبل أخرى، وحفظ في ذاكرته آلاف الخطوات التي عبرت من حوله. لم يكن مجرد عنصر في المشهد العمراني، بل شاهدًا على زمن كانت فيه إربد أكثر هدوءًا، وأكثر دفئًا، وأكثر قربًا من أهلها.
ثم جاءت موجة التحديث التي اجتاحت المدينة، فطالت كثيرًا من معالمها القديمة. وبذريعة الحداثة، أُزيل المثلث الإسمنتي الذي لازم دوار البريد لعقود، كما اختفت معالم أخرى كانت تشكل جزءًا من هوية إربد البصرية. وربما كان التطوير ضرورة تفرضها حركة المدن، لكن الذاكرة لا تخضع دائمًا لمعايير الهندسة، ولا تُقاس بما يُستحدث من أرصفة وإشارات وتنظيمات.
والمفارقة التي تستحق التأمل أن أكثر من ثلاثين عامًا مضت على إزالة المثلث الإسمنتي، ومع ذلك ظل اسم دوار البريد ثابتًا في ذاكرة الناس وعلى ألسنتهم. لم تنجح السنوات في محو الاسم، ولم تستطع التغييرات العمرانية أن تستبدله. فما زال أبناء إربد، من مختلف الأجيال، يحددون مواعيدهم بقولهم: “أراك عند دوار البريد.” وكأن الاسم لم يعد يشير إلى مكان فحسب، بل إلى زمن كامل، وإلى مدينة ما زالت تعيش في الوجدان كما كانت.
وهكذا، لم يكن المثلث الإسمنتي مجرد معلمٍ في وسط دوار، بل كان رمزًا لمرحلة من عمر إربد؛ مرحلة كانت فيها البساطة جمالًا، وكانت الأمكنة تُعرَف بأهلها، ويُقاس اتساع المدينة بعمق العلاقات بين ناسها، لا بعدد مبانيها أو كثافة شوارعها.
لقد أُزيل المثلث الإسمنتي من دوار البريد، لكن أحدًا لم يستطع أن يُزيل دوار البريد من ذاكرة إربد. فالأمكنة التي تُبنى في القلب، لا تهدمها الجرافات، ولا تمحوها السنوات.