كنانة نيوز –
الى وزير الزراعة : الاستثمار الزراعي بين الضوء الأخضر الملكي والمشنقة البيروقراطية في الميدان
بقلم: المهندس أنس سعيد عبيدات
في الوقت الذي تصدح فيه المؤتمرات والندوات الرسمية بشعارات رنانة حول “الأمن الغذائي” وجلب استثمارات المغتربين وتمكين الشباب يصطدم من يقرر تلبية نداء الوطن بالواقع السيء والمرير واقع يكشف أن رؤية التحديث الاقتصادي للدولة تسير في اتجاه والآلة البيروقراطية المحلية تسير في اتجاه معاكس تماما لتطفيش رؤوس الأموال الوطنية واغتيال أحلام العائدين
دعونا نتحدث بكاشفة عارية وصادمة عندما يعود كادر علمي وخبير زراعي أمضى أكثر من 20 عاماً في الغربة محاطا بمدخرات عمره وفكره الاستثماري لإقامة مشروع زراعي صناعي متكامل يفتح بيوت الأردنيين ويشغل العاطلين عن العمل، ويطرق أبواب “الديوان الملكي الهاشمي “بيت الأردنيين” فيجد كل الترحيب والتوجيه السامي لتسهيل مهمته وتوفير المقومات الأساسية لإنجاح هذا المشروع الوطني ويتم توجيهه لوزارة الزراعة ولكن بنفس الوقت كيف ترد عليه الإدارة التنفيذية في الميدان “وزارة الزراعة”
تأتيه الإجابة الجافة بـ “شروط إعجازية” وهي اننا نمنحك ارضا فقط ان وجدت ولكن عليك ان تحفر بئر ماء ارتوازي أي ان الوزارة تطلب منه ضخ أكثر من 100 ألف دينار في الهواء لمجرد حفر بئر ماء ومطاردة التراخيص قبل أن يغرس نبتة واحدة في الأرض أو يضع حجر أساس لمصنعه! هل هذا تشجيع للاستثمار أم هو “حكم بالإعدام” على المشاريع الإنتاجية قبل أن تولد
إن الكوميديا الإدارية السوداء تتجلى في أبهى صورها عندما تتبجح المؤسسات المعنية ببرامج دعم المزارعين وتوفير الآليات والمنح لتشبيك الأراضي وحفر ابار لتجميع المياه وغيرها وعندما يتقدم المستثمر بطلب للاستفادة منها لإنقاذ مشروعه يأتيه الرد الجاهز والمعبأ بـ “الغيبوبة الإدارية قدم وانتظر الدور .
عن أي دور تتحدث عقليات الموظف المرتعش في المحافظات هل يعقل في منطق الدولة والاستثمار أن يوضع مشروع زراعي صناعي استراتيجي يستهدف تشغيل أبناء المجتمع المحلي في نفس الطابور وبنفس الأولوية مع مواطن يطالب بحفر بئر تجميعي منزلي بسيط ليشرب منه أين القراءة الاقتصادية الحقيقية وأين المسرب السريع للمستثمرين هذا التسطيح التنموي هو الفساد الإداري بعينه الذي يطرد رؤوس الأموال إلى دول الجوار التي تمنح الأرض والماء مجاناً للمستثمر الوطني مع إعفاءات لسنوات .
ولم تقف المفارقات التي تثير السخرية عند طابور الدور بل تمتد إلى طلب الآليات والمعدات المخصصة أساساً لدعم الإنتاج وحراثة الأرض ليفاجأ المستثمر بالرد: “هذه الآليات محجوزة ومستأجرة لجهات حكومية رسمية كبرى!”.
وهنا نسأل بكامل الحرقة والمهنية: أليست تلك الجهات والمؤسسات الرسمية الكبرى أقوى بمليون مرة ماليا ولوجستيا من مستثمر قطاع خاص يبدأ خطوته الأولى في الميدان بمفرده أليست تلك الجهات تمتلك ميزانياتها الضخمة وأساطيلها الخاصة لتوفير وتأجير هذه المعدات لم تزاحم الأجهزة الحكومية المستثمر والمهندس الزراعي المكافح على آليات وجدت أصلا لتحفيز الإنتاج ودعم القطاع الخاص لمن وجدت هذه المعدات إن لم تكن لخدمة مشروع يريد قلب الأرض القاحلة إلى حاضنة تشغيل ومصنع إنتاجي .
ولا تتوقف فصول هذه الملهاة التنموية عند حدود تطفيش المغتربين بل تتعداها لتضرب الفئات الأكثر حاجة في مجتمعنا تخرج علينا الصناديق والمؤسسات الإقراضية الرسمية المعنية بالقطاع الزراعي ببرامج ترويجية منمقة تعد العاطلين عن العمل بقروض زراعية ميسرة لإقامة مشاريع يعتاشون منها ويحاربون بها شبح البطالة المفزع ولكن عندما يذهب الشاب العاطل عن العمل الممتلئ بالطاقة والأمل ليطرق أبوابهم تصدمه الشروط بطلب “أرض لرهنها” كشرط أساسي للحصول على التمويل وهنا يثور سؤال بوزن الوطن كيف لشاب عاطل عن العمل يبدأ صفر حياته ويبحث عن كفاف يومه أن يمتلك أرضا وعقارات بآلاف الدنانير ليرهنها لكم لو كان يمتلك أرضا يرهنها لما وقف طالبا على أبواب قروضكم هذا الانفصام الإداري والتعجيز البنكي الفج المغلف بالصبغة التنموية يثبت أن خطط دعم الشباب والتشغيل ليست سوى حبر على ورق وشعارات للاستهلاك الإعلامي بينما النتيجة الحقيقية هي خنق المبادرات في مهدها وتحويل طاقات الشباب إلى رصيد جديد في طوابير البطالة واليأس
إن هذه المشاهدات الميدانية الصادمة تضع المنظومة برمتها على المحك الاستثمار والتشغيل لا يحتاجان إلى تعاطف ولا يحتاجان إلى وعود في مكاتب مغلقة بل يحتاجان إلى “مسؤول بلدوزر” يمتلك شجاعة القرار لكسر حلقة الروتين العقيروتوفير حلول إبداعية للبنية التحتية وفرز المشاريع الاستثمارية ومنحها الأولوية المطلقة في الدعم والآبار والآليات وهذا للأسف الذي لا نجده من بين كل المسؤولين الذين يتم تعيينهم لتسيير اعمال الشعب والوطن .
ان هذا الوطن لم يعد يملك ترف الوقت والمجاملات وهيبة الرؤية الملكية تقتضي ضرب معاقل الترهل بيد من حديد نضع هذه الحقائق والتشوهات أمام وزير الزراعة والإدارات التنموية مباشرة إما ثورة بيضاء تطهر مديريات وصناديق الميدان من ثقافة “الموظف المرتعش” وتفتح الأبواب للمستثمرين العائدين والشباب المكافح أو الاعتراف الصريح بالعجز الإداري فالمسؤول الذي يعجز عن مجاراة الإيقاع المتسارع في البناء والإنتاج وتسهيل حياة الناس مكانه الطبيعي هو البيـــت وليس الالمواقع التي من المفترض انها تسهل أمور المواطنين وتساعد في بناء وطننا الغالي .