كنانة نيوز –
بين حزم الأوامر الملكية وارتجاف الدوار الرابع .. من يوقف هيدرا البيروقراطية في مؤسساتنا الحكومية
بقلم المهندس : انس سعيد عبيدات
الرسائل الملكية التي تم توجيهها من جلالة الملك الى الحكومات السابقة وكذلك الى حكومة الدكتور جعفر حسان لم تكن ذات طابع بروتوكولي سياسي يحفظ في أدراج المكاتب الفاخرة ، بل كانت أوامر دفاع اقتصادية واجتماعية حاسمة وقاطعة الأردن يمر بمرحلة تحديث إجباري ، ولا مكان في هذه الدولة لمسؤول ترتجف يده ، أو يختبئ خلف الروتين الإداري لتعطيل الاستثمار والمشاريع الإنتاجية التي يحتاجها وطننا وشعبنا .
ولكن بعد مضي تسعة عشر شهرا على تشكيل الحكومة يبدو أن الدوار الرابع قد اختار “سياحة الجولات الميدانية” واستعراض العدسات في المحافظات كبديل عن اتخاذ القرارات الجريئة ، ولم يعلموا ان المواطن والمستثمر شبعوا وعودا زائفة وانه قد وحان الوقت لصفع المشهد بالحقيقة العارية وهي ان رؤية الملك في واد، وأداء حكومة حسان في وادٍ آخر تماما .
يا دولة الرئيس ان المعركة الحقيقية ليست فقط في الصالونات السياسية بل في “مكاتب واروقة المؤسسات والوزارات التي نخرها سوس الفساد والمزاجية المشهد بات غير واقعي ومستفز إلى أبعد حد حيث اصبحنا نسمع بين الحين والآخر عن ضبط موظف فاسد ، أو تحويل آخر إلى مكافحة الفساد ، لنظن واهمين أن الخلل قد عولج ، لكن الصدمة تأتي في اليوم التالي: يقتلع فاسد فيخرج من خلف مكتبه عشرة فاسدين ومعطلين جدد .
لقد تحول الفساد الإداري والتعطيل الممنهج في بعض الدوائر إلى ثقافة مؤسسية عابرة للمواطنين والمراجعين . هناك موظفون يجلسون خلف مكاتبهم يظنون أن الوظيفة الحكومية ملك أبيهم ، يتعمدون إذلال المستثمر والمواطن ويبتكرون العراقيل لتطفيش المشاريع ، إما بحثا عن منفعة شخصية ، أو بدافع الحقد البيروقراطي الأعمى . إن الإمساك بـ “الحيتان” لم يعد كافيا ، طالما أن “السمك الصغير” في المكاتب يملك صلاحية خنق الاقتصاد الوطني دون حسيب أو رقيب . حان الوقت لتطهير هذه الدوائر بجرافة قانونية لا ترحم فالأردن لن يتقدم طالما أن هناك موظفاً يرى نفسه أقوى من القانون وأقوى من توجهات الدولة !
دولة الرئيس ان الميدان لا يدار بـ “البروباغندا” ، ان الجولات الميدانية والنزول إلى القرى والمصانع تكون منتجة في حالة واحدة فقط هي أن يتبعها اقتلاع فوري للفساد والروتين وقرارات تنفذ في لمح البصر، أما أن يزور الرئيس او المسؤول موقعا وتتحرك خلفه قوافل السيارات وطوابير الموظفين والمصورين ثم يعود المواطن لانتظار مواقف موظف صغير أو توقيع مدير مرتجف لشهور طويلة ، فهذا ليس إصلاحا ، بل هو شرعنه للبيروقراطية برداء استعراضي . ان المستثمر الأردني خاصة ذلك المغترب الذي عاد يحمل أمواله وخبراته وعشقه لتراب وطنه لا يريد رؤية الرئيس يبتسم في الصور بل يريده أن يكسر عقلية الجباية والتعطيل التي تخنق أذرع الحكومة وتطرد كل رأس مال يحاول بناء مشروع إنتاجي في البلد .
دعونا نضع الملح على الجرح المفتوح ونسمي الأشياء بمسمياتها ، اين هو الأثر الخطط لخطط الاستثمار امام شكاوي المستثمرين المستمرة وماهو مبرر غياب المرونة وتبسيط الإجراءات للمشاريع الإنتاجية خاصة قطاعات الزراعة الحديثة والتصنيع الغذائي والصناعات التحويلية ، ان الواقع الحالي يثبت ان المستثمر الأردني او الأجنبي مازال يدوخ في متاهة الموافقات والاشتراطات البلدية وكأن التنا الادراية تعمل بعكس اتجاه الطموح الوطني في تحقيق النمو الاقتصادي .
وفي ذات السياق يقف المواطن المراقب متسائلا ماذا أنجزت خارطة طريق تحديث القطاع العام لتفكيك الترهل الإداري المزمن هل شهدنا مراجعة حقيقية او تفعيل مسائلة أي مسؤول او موظف تسببت مزاجيته البيروقراطية في تعطيل مشروع تشغيلي للشباب العاطلين عن العمل ، الإجابة الصادمة هي بقاء عقلية الخوف من القرا حيث يرى الموظف انه في تسهيل المعاملات وتسريعها مخاطرة غير محسوبة وفي تأخير الوقت وجر المواطن من مكتب لاخر سلامة وظيفية وحماية للذات خلف جدران الروتين والتعليمات .
يا دولة الرئيس إن كنت عاجزاً عن مجاراة الإيقاع الملكي الحاسم ، فابدأ فوراً بغربلة تطيح بفريقك الوزاري المشلول الوزراء الذين يجلسون في مكاتبهم المكيفة والذين لم يقدموا حلولاً خارج الصندوق، يجب أن يرحلوا اليوم قبل الغد ولكن حذار من اللعبة التقليدية التي ملها الشارع وبصق عليها وهي “التعديل الوزاري الصوري”.
الأردنيون لن يغفروا لك إذا أخرجت وزيراً مقصراً من الباب لتأتي ببديل من ذات صالونات النخبة وعمان الغربية عبر النافذة فقط لتكافئه بلقب “معالي” وراتب تقاعدي مدى الحياة يدفع من دم وقوت المواطن المكافح الأردن ليس جمعية خيرية لتوزيع الأعطيات والمناصب كهدايا نهاية الخدمة لنخب صامتة لم تقدم للبلد سوى التنظير والركود .
نحن بحاجة إلى وزراء رجال دولة ينزلون للميدان بلا حراسات ويملكون شجاعة توقيع القرار في دقيقة واحدة ، ويتحملون مسؤولية قراراتهم المسؤول الذي يخشى توقيع ورقة خوفا من ديوان المحاسبة أو منصات التواصل مكانه بيته وليس طاولة مجلس الوزراء وكذلك حال الموظفين الذين ينتظرون وصولهم لسن الضمان الاجتماعي .
الأردن لم يعد يملك ترف الوقت والشباب الأردني يئن تحت وطأة البطالة والفقر لن تطعمه البيانات الإنشائية المكررة. الرسائل الملكية منحتك—يا دولة الرئيس—غطاء مطلقا لتضرب معاقل البيروقراطية بيد من حديد فإما أن تكون بمستوى هذه الجسارة وتأتي بفرسان ميدان حقيقيين يقلبون الطاولة على الروتين أو لتعلن حكومتك العجز وتفسح المجال لغيرها ومبارك عليها تقاعد مدى الحياة وتضاف إلى سجل الحكومات التي أدارت الأزمة ولم تحلها ، بانتظار قطار الرحيل الذي يبدو أنه يقترب.
الكرة في ملعبك يا دولة الرئيس.. فهل نشهد ثورة واقتلاعاً حقيقياً، أم سنبقى نراوح في المربع ذاته بأسماء مستعارة ؟
