كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
المدرسة.. منها تبدأ حكاية الوطن.. فماذا يجري في مدارسنا اليوم؟
حين نتحدث عن المدرسة، فإننا لا نتحدث عن مبنى من الحجر، ولا عن صفوفٍ وكتبٍ وجرسٍ يعلن بداية الحصص ونهايتها فقط، بل عن المكان الذي تبدأ منه الحكاية الأولى للوطن؛ هناك حيث تتشكّل الملامح الأولى للوعي، وتُزرع بذور الأخلاق، ويكبر الحلم في عيون الأطفال وهم يتهجون الحروف الأولى، ويحفظون أسماء المدن والأنهار والقصائد التي تشبه ذاكرة البلاد.
المدرسة لم تكن يومًا مجرد مؤسسة تعليمية؛ كانت بيتًا كبيرًا تتقاطع داخله التربية بالمعرفة، والانضباط بالقيم، والإنسان بالمستقبل. هناك كان المعلّم أكثر من ناقلٍ للمعلومة؛ كان مربّيًا، وصانعًا للشخصية، ومرجعًا أخلاقيًا وتربويًا، يحمل في حضوره شيئًا من هيبة الأب، وشيئًا من صرامة الحريص على مستقبل أبنائه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقلقٍ مشروع: ما الذي يجري حاليًا في مدارسنا؟
ثمة شعورٌ عام بأن شيئًا ما تغيّر. ليس في الأبنية ولا في المناهج فقط، بل في روح المدرسة نفسها. أخبار المشاجرات المدرسية، والعنف اللفظي والجسدي، وضعف الانضباط، وتراجع لغة الاحترام، لم تعد حوادث فردية عابرة، بل مؤشرات تستحق التوقف طويلًا أمامها، بعيدًا عن التهويل أو التبرير.
ولعلّ أحد أكثر التحولات إيلامًا يتمثّل في تراجع نفوذ المعلّم داخل المدرسة والصف. فالمعلّم الذي كان يومًا صاحب كلمة مسموعة وهيبةٍ تربوية، بات في أحيان كثيرة يواجه تحديًا حقيقيًا في فرض النظام أو ممارسة دوره التربوي كما يجب. ولم يعد الأمر مرتبطًا فقط بصعوبة الظروف أو اختلاف الأجيال، بل بوجود تغيّر عميق في النظرة إلى رسالة التعليم نفسها.
لقد فقدت مهنة التعليم شيئًا من مكانتها الرمزية في الوعي الاجتماعي. وبات بعض الطلبة – وأحيانًا بعض الأسر – ينظرون إلى المعلّم بوصفه موظفًا يؤدي مهمة محددة، لا صاحب رسالة تُبنى على يديه العقول والقيم. ومع هذا التحول، تراجعت مساحة الاحترام التي كانت تحيط بالمعلّم، وانكمش دوره التربوي لصالح علاقة أكثر برودةً وجفافًا.
وفي داخل الصفوف، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالمعلّم الذي كان يُنظر إليه بوصفه سلطة تربوية وتعليمية قادرة على التوجيه والتقويم، أصبح في بعض الأحيان يشعر بأنه مقيّد بين أنظمةٍ وضغوطٍ وتخوّفٍ دائم من سوء الفهم أو ردود الفعل. وحين يفقد المعلّم أدوات التأثير المعنوي، يصبح التعليم أقرب إلى عملية تلقين جامدة، تفقد روحها شيئًا فشيئًا.
ولعلّ كثيرين، وهم يتأملون صورة المدرسة اليوم، يستعيدون بحنينٍ زمنًا كان أكثر بساطة ودفئًا، زمنًا يشبه ما عبّرت عنه أغنية الفنان اليمني علي بن محمد وهي تستحضر الشوق إلى الأيام الأولى التي كانت العلاقات فيها أكثر صدقًا، والنيات أكثر صفاءً، والمحبة تجمع الناس ببساطةٍ لا تعقيد فيها. ليس الحنين هنا إلى الماضي بوصفه زمنًا مثاليًا، فلكل عصر تحدياته، وإنما إلى تلك الروح التي كانت تجعل المدرسة مكانًا للتربية قبل التعليم، وتجعل المعلّم صاحب مكانة وهيبة، والطالب أكثر قربًا من معنى الاحترام والمسؤولية.
ثم جاءت التكنولوجيا لتقلب المشهد رأسًا على عقب. فالهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات ترفيه؛ بل أصبحت منافسًا شرسًا للكتاب المدرسي، وأحيانًا بديلًا عن الأسرة والمدرسة معًا في تشكيل الوعي. الطالب اليوم يعيش عالمًا سريعًا، مفتوحًا، مزدحمًا بالأفكار والصور والانفعالات، بينما لا تزال أدوات التربية التقليدية تحاول اللحاق بإيقاعٍ تغيّر بالكامل.
ولا يمكن هنا إغفال دور الأسرة التي تواجه بدورها ضغوطًا اقتصادية ومعيشية خانقة. فالأب المُتعب من أعباء الحياة، والأم المثقلة بالمسؤوليات، قد لا يجدان دائمًا الوقت الكافي للمتابعة والتوجيه، فتتسع الفجوة بين البيت والمدرسة، ويجد الطالب نفسه أحيانًا يتلقى رسائل متناقضة حول القيم والانضباط والاحترام.
وربما المشكلة الأعمق أننا بدأنا ننظر إلى التعليم باعتباره أرقامًا ونسب نجاح فقط، بينما تراجعت التربية – وهي قلب الحكاية – إلى الخلف بصمت. فالمدرسة التي لا تُخرّج إنسانًا قبل أن تُخرّج طالبًا متفوّقًا، تخسر جزءًا كبيرًا من رسالتها، مهما ارتفعت نتائج الامتحانات فيها.
ليس الهدف من هذا الحديث جلد المؤسسات التعليمية أو تحميل المسؤولية لطرفٍ واحد. فالمشكلة أكبر من أن تختزل في المعلم أو الطالب أو الأسرة وحدها. نحن أمام تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة، انعكست على المدرسة كما انعكست على كل شيءٍ آخر.
ومع ذلك، يبقى الأمل ممكنًا، شرط أن نعترف أولًا بحجم التحدي. فالمدرسة تحتاج اليوم إلى إعادة الاعتبار لدورها التربوي، وإلى استعادة مكانة المعلّم وهيبته، لا بوصفه سلطةً للعقاب، بل بوصفه رمزًا للمعرفة والتوجيه والقدوة. نحتاج إلى شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة، وإلى خطابٍ مجتمعي يعيد الاحترام لرسالة التعليم بوصفها قضية وطن لا مجرد وظيفة.
فالمدرسة ليست مكانًا عابرًا في حياة الأوطان… إنها المكان الذي يُكتب فيه مستقبلها بصمت، وحين تهتز صورة المدرسة، يهتز معها شيءٌ من صورة الوطن نفسه.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نريد مدرسة تُعلّم أبناءنا فقط… أم مدرسة تُربّي جيلاً يعرف كيف يبني وطنه ويحمي إنسانيته؟
