كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
راصفا الطريق في شارع الرشيد… حين كانت إربد صريحةً لا تعرف الكذب
في المدن التي تكبر على مهل، لا تصنع الذاكرةُ السياسيين وحدهم، ولا أصحاب الواجهات الكبيرة، بل أولئك الذين مرّوا بهدوءٍ وتركوا أثرًا يشبه الرحمة على تفاصيل الحياة الصغيرة.
في إربد السبعينيات، حين كانت المدينة أكثر قربًا من نفسها، وأقلّ ازدحامًا بالمساحيق الاجتماعية، كان شارع الرشيد يشبه قلبًا مفتوحًا لا يضيق بأحد. لم يكن شارعًا بالمعنى العابر للكلمة، بل حياةً كاملة تمشي على قدمين؛ يعرف الناس بعضهم بعضًا بأصوات الخطوات، وتُقرأ الملامح كما تُقرأ العناوين الواضحة، دون التباسٍ أو كثير تأويل.
هناك، في الرشيد القديم، كانت الحجارة نفسها تعرف أصحابها.
تعرف وقع خطوات الشيخ العائد من صلاة الفجر، وحركة الطالب المسرع إلى المدرسة، وصوت الباعة الذين يبدأون نهارهم قبل أن تستيقظ الشمس تمامًا فوق أسطح البيوت القديمة.
وفي قلب ذلك المشهد، كان رجلان ينحنيان كل صباح فوق الطريق، كأنهما يعتذران للحجارة عن قسوة الأقدام.
الأخوان محمد ومحمود أبو دولة.
لم يكونا موظفين عابرين يؤدّيان مهمةً يومية وينصرفان. كانا شيئًا من روح المكان. يحمل كلٌّ منهما مطرقة صغيرة، وإزميلًا، وصبرًا طويلًا لا تملكه إلا أجيال تربّت على أن العمل كرامة، وأن إصلاح الطريق ليس وظيفة، بل مسؤولية تجاه الناس.
قبل أن تُفتح الدكاكين أبوابها المعدنية، وقبل أن يبدأ الشارع ضجيجه المعتاد، كانا هناك.
ينحني محمد على حجرٍ مخلخل، بينما يربّت محمود على التراب بحنانٍ خفي، كأنّ الرصيف طفلٌ ينبغي تهدئته لا قطعة إسمنت باردة.
كانا يرصّان الطريق كما يرصّ الأب خوفه على أبنائه.
فالعثرة الصغيرة في شارعٍ مزدحم قد تُسقط عجوزًا، أو تربك طفلًا، أو تُوجع رجلًا عاد متعبًا من نهاره الطويل.
لم يكن أحد يصفّق لهما.
ولم تكن الصحف تكتب عن رجالٍ يصلحون الطريق كي يمشي الناس بأمان.
لكن شارع الرشيد نفسه كان يعرف قيمتهما.
وكانت إربد تعرف، بطريقتها البسيطة، أن المدن لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل بأناسٍ يحمون تفاصيلها الصغيرة من الانكسار.
في تلك الأيام، كان الرشيد يتّسع للجميع.
للفلاح القادم من القرى وهو يحمل رائحة التراب على كتفيه.
للموظف الصغير الذي يخبئ هموم البيت في جيبه.
للطالب الحالم، وللعجوز الذي يوزّع السلام أكثر مما يوزّع الكلام.
ولوجوهٍ كثيرة أصبحت اليوم جزءًا من ذاكرة المدينة.
ومن بينها أبو حامد الشامي، أحد أولئك الذين لم يكونوا مجرد أسماء في شارع الرشيد، بل جزءًا من روحه اليومية. حضوره كان مألوفًا كصباحات الشارع نفسها؛ يعرف الناس، ويعرفونه، تتبادل معه الوجوه السلام دون موعد، وكأنّ الألفة يومها كانت نظام حياة غير مكتوب.
في إربد القديمة، كانت العلاقات أكثر وضوحًا.
الصراحة كانت تمشي في الأسواق بلا خوف.
إن غضب أحدهم، غضب بوضوح.
وإن أحبّ، أحبّ بلا حسابات خفية.
لم تكن الكلمات تحتاج إلى مساحيق تجميل كي تبدو مقنعة.
ولم تكن الوجوه تعرف كل هذا الجهد في إخفاء حقيقتها.
كان اللون… لونًا حقيقيًا.
لون الحجارة القديمة.
لون الغبار الخفيف على الأرصفة.
لون التعب الشريف على وجوه الرجال.
ولون الأمهات الخارجات من البيوت بملامح طبيعية لا تعرف ما يسمّى اليوم بـ”الميك آب” الاجتماعي أو الإنساني.
كان كل شيء أكثر صدقًا.
حتى الفقر كان واضحًا وصريحًا.
حتى التعب كان يُحمل بكرامة.
أما اليوم، فقد تغيّرت أشياء كثيرة.
كبرت الواجهات، وصغرت العلاقات.
ازدادت الزينة، وقلّت الطمأنينة.
صار الناس يمرّون بسرعة، دون أن ينظروا إلى الأرض التي تحملهم، أو إلى أولئك الذين أصلحوا الطريق لهم يومًا.
ولعلّ المأساة الحقيقية ليست أن المدن تتغير، فهذا قانون العمران والحياة، بل أن الذاكرة نفسها تصبح انتقائية، تحتفظ بالأسماء اللامعة، وتنسى الرجال الذين منعوا العثرات بصمت.
من يتذكر اليوم الأخوين محمد ومحمود أبو دولة؟
من يتذكر أولئك الذين انحنوا طويلًا كي يبقى الطريق مستقيمًا تحت أقدام الآخرين؟
ربما لا تكتب المدن أسماءهم على الجدران.
لكن الحجارة تحفظ أصحابها أكثر مما نظن.
وأظنّ أن شارع الرشيد، في بعض أمسيات إربد الهادئة، ما زال يحتفظ بظلّ رجلين منحنيَي الظهر، يحملان مطرقة صغيرة، ويعيدان ترتيب حجرٍ مخلخل، خوفًا على عابرٍ لا يعرف حتى اسميهما.
هكذا كانت إربد.
صريحةً لا تعرف الكذب.
وجميلةً بما يكفي كي لا تحتاج إلى “ميك آب”.
وهكذا كان شارع الرشيد…
يتّسع للجميع.
تذييل :(الأسماء الواردة حقيقية ، والرشيد شارع يتوسط مدينة اربد القديمة في الأردن)