كنانة نيوز –
عدنان نصّار: العيد حين يمرّ من شارع الرشيد ولا يطرق الأبواب
(من وحي العيد،صيف 1978)
في قلب شارع الرشيد في إربد القديمة، حيث تتقاطع الخطوات كما تتقاطع الحكايات، كان هناك دكان صغير يتوسط الشارع تمامًا… كأنه ملتقى للحوار قبل أن يكون مكانًا للبيع والشراء.
دكان “أبو طلعت” لم يكن مجرد متجر، بل مساحة مفتوحة للكلام.
هنا تُقال الأخبار قبل أن تصل إلى غيره، وهنا تُناقش الأسعار، والهموم، والوعود، وحتى صمت المدينة نفسه.
ومن ذاكرة الشارع، كانت تطلّ صورة قديمة لا تغيب: المرحومة قطنة، تلك المرأة التي كانت تمرّ في العيد كأنها فرحة تمشي على قدميها، تغدق على الأطفال الحلوى بلا حساب، وتوزّع البهجة كما لو أنها واجب يومي لا ينتهي.
كان الأطفال ينتظرونها أكثر مما ينتظرون العيد نفسه، وكانت ضحكتها تختصر معنى العطاء في زمن بسيط.
ومن مشاهد العيد التي لا تغيب أيضًا، كانت صبايا الحي، يتقافزن في الأزقة مثل فراشات خفيفة، متأنقات كأنهن يبحثن عن حلمٍ مفقود بين المرايا والطرقات، يتركن خلفهن أثرًا من ضوءٍ وارتباك جميل لا يشبه إلا العيد نفسه.
من يمرّ أمام الدكان، لا بد أن يتوقف قليلًا، ولو بكلمة عابرة أو نظرة طويلة.
كأن شارع الرشيد كله يمرّ عبر هذا الباب الصغير.
أبو طلعت جاء من طوياس قبل سنوات طويلة، يحمل حقيبة خفيفة وأسئلة ثقيلة.
وفي إربد، لم يعثر على رزقه فقط… بل عثر على “هيام”.
كانت تمرّ قرب الدكان في بداياته، تشتري أشياء بسيطة لا تستدعي هذا القدر من التردد، لكنها كانت تترك خلفها أثرًا يشبه الطمأنينة.
ومع الوقت، صار الأثر حياة، ثم صار بيتًا، ثم صار اسمًا يُنادى به في هذا الشارع كأنه جزء من ذاكرته.
هيام أصبحت زوجته لاحقًا، لكن في شارع الرشيد، الحب لا يغادر تفاصيله الأولى.
يبقى حاضرًا في ترتيب البضائع، في كوب الشاي، في طريقة الوقوف عند الباب، وفي المراجيح الخشبية التي كان أبو طلعت يعلقها كل عيد بين طرفي الدكان.
في الأيام التي تسبق العيد، يتحول الدكان إلى ملتقى مضاعف للحياة.
يجلس الرجال على الكراسي الخشبية، يتبادلون الأخبار كأنهم يكتبون نسخة يومية من العالم، وتدور النقاشات بين ضيق المعيشة واتساع الوعود.
وفي منتصف الشارع، كانت المراجيح الخشبية تُنصب كل عام.
حبال بسيطة وألواح خشب قديمة، لكنها كانت تكفي لتخلق مساحة أخرى فوق الأرض… مساحة للضحك المؤجل.
كان أبو طلعت يقول وهو يشد الحبل الأخير:
— “المراجيح مش بس للعب… هي طريقة نعلّق فيها تعبنا شوي ونرجع ننزله بهدوء.”
أم محمود، التي تسكن آخر الشارع، كانت تمرّ من هناك كل يوم، تحمل همًّا خفيفًا من الخارج، وثقيلًا من الداخل.
تراقب المشهد بصمت، وتقول لابنها:
— “إن شاء الله العيد هذا السنة يكون أهون.”
فيرد:
— “كل سنة نفس الدعاء يا أمي.”
فتسكت… لأن الدعاء نفسه صار شكلًا من أشكال الصبر.
في المساء الأخير قبل العيد، كان شارع الرشيد يبدو كأنه يتهيأ لاعتراف قديم.
الأضواء خفيفة، لكن كافية لتكشف وجوه الناس وهم يحاولون أن يصدقوا أن الغد قد يكون مختلفًا.
أبو طلعت كان يجلس أمام دكانه، يتحدث مع الرجال، ومع الوقت، ومع الذاكرة.
وهيام ترتب المراجيح وتبتسم، كأنها تعرف أن الفرح لا يحتاج إعلانًا كبيرًا، بل مساحة صغيرة فقط ليقف عليها.
قالت له وهي تنظر إلى الشارع:
— “تفتكر العيد بيكبر فينا ولا إحنا اللي بنصغر قدامه؟”
فأجاب بهدوء:
— “العيد ما بيتغيرش… إحنا اللي بنحاول نلاقي مكان إلنا فيه.”
في صباح العيد، امتلأ شارع الرشيد بالحياة.
المراجيح الخشبية في منتصف الشارع كانت تتأرجح كأنها نبض الحارة، بين الأرض والسماء، بين الضحك والتعب.
والدكان في قلب الشارع ظل ملتقى للحوار، لكن هذه المرة صار الحوار أخف… وأقرب إلى الفرح.
مرّت الذاكرة من هناك أيضًا: ضحكات قديمة، ووجوه غابت، والمرحومة قطنة التي كانت تأتي في العيد كأنها تحمل جيبًا لا ينفد من الحلوى، فتغرق الأطفال بسعادة لا تتكرر، وتترك في الحارة أثرًا لا يمحوه الزمن.
مرّ شاب وسأل أبو طلعت:
— “جاهز للعيد؟”
فابتسم وقال:
— “العيد ما بييجي جاهز… إحنا اللي بنحاول نكون جاهزين له.”
ثم أشار إلى المراجيح:
— “زي الحياة… بدها شوية توازن علشان تمشي.”
في نهاية اليوم، جلس أبو طلعت وهيام أمام دكانهما الذي يتوسط شارع الرشيد… ملتقى الكلام والذاكرة.
هدأت المراجيح، وخفتت الأصوات، لكن الشارع ظل يحتفظ بشيء من الفرح الذي لا يكتمل ولا ينتهي.
قالت هيام:
— “لو غبنا يوم… مين يتذكرنا؟”
فأجاب وهو ينظر إلى امتداد الشارع:
— “شارع الرشيد ما بينسى… لأنه مش شارع بس… هو ذاكرة ماشية على رجلين.”
وفي تلك اللحظة، لم يكن الدكان مجرد ملتقى للحوار…
بل كان قلب شارعٍ كامل، ما زال يحاول أن يتذكر كيف كان العيد يومًا بسيطًا بما يكفي ليشبه الناس.
تذييل :شارع الرشيد يتوسط مدينة إربد القديمة شمال العاصمة الأردنية.