كنانة نيوز –
«الليلة الكبيرة»… حين يزور العيدُ بيوتًا أرهقها الانتظار
عدنان نصّار
في ليلة العيد، تبدو المدن كأنها تُقاوم تعبها الأخير. الشوارع أكثر ازدحامًا، الأضواء أكثر سهرًا، والوجوه ــ رغم ما فيها من تعب ــ تحاول أن تُقنع نفسها بأن للفرح موعدًا لا ينبغي أن يُؤجَّل.
غير أنّ العيد، في زمن الضيق، لم يعد يدخل البيوت بالطريقة نفسها.
فثمّة بيوتٌ تستقبل ليلة العيد بقلبٍ مثقل، لا بأكياس المشتريات. أبٌ يُخفي قلقه خلف صمتٍ طويل، يقف أمام واجهات المحالّ وكأنّه يُفاوض القدر على أمنية صغيرة لأطفاله. أمٌّ تعيد ترتيب الممكن داخل بيتها، تُقنع نفسها بأن قطعة حلوى متواضعة قد تُشبه العيد، وأن الثوب القديم يمكن أن يبدو جديدًا إذا غسلته المحبة.
في مثل هذه الليالي، لا يكون السؤال: ماذا سنشتري؟ بل: ماذا نستطيع أن نفعل كي لا يشعر الأطفال بأن الدنيا تغيّرت كثيرًا؟
فأسعار ترتفع كأنها تُعاقب الفقراء، ورواتب تتراجع قيمتها كل يوم، وطبقة واسعة من الناس باتت ترى في القدرة على شراء حاجات العيد رفاهية لا حقًا طبيعيًا.
في الأسواق، مشهدٌ يوجع القلب أكثر مما يُفرحه.
أطفالٌ تتعلق عيونهم بالألعاب، وأمهات يبتسمن كي لا ينهار شيءٌ في الداخل. آباء يسألون عن الأسعار ثم يغادرون بصمتٍ يشبه الاعتذار. شبابٌ يؤجلون شراء ثيابهم عامًا آخر، لأن البيت أولى، والدواء أولى، وفاتورة الكهرباء لا ترحم أحدًا.
وفي مكانٍ ما من الذاكرة، تمرّ أغنية الراحل سيد مكاوي كأنها شريطٌ قديم من زمنٍ آخر، حين كان الناس يرددون بفرح: «الليلة الكبيرة يا عُمّال». كان الفرح يومها أكثر بساطة، وأقلّ تكلفة، وكانت البهجة الشعبية قادرة على أن تصنع عيدًا من أشياء صغيرة؛ ضحكة بسيطة ترطب القلوب، قطعة حلوى، أو زيارةٍ تحمل دفء القلوب.
أما اليوم، فكثيرون ينظرون إلى العيد كما لو أنّه ضيفٌ كريم يحبّونه، لكنّهم يخشون ألا يستطيعوا استقباله كما يليق.
ومع ذلك، يبقى في العيد وجهٌ آخر لا تُفسده الأسواق ولا تُطفئه الأسعار.
فمع ساعات الصباح الأولى، يحمل كثيرون ما تيسّر من أغصان الزيتون، وسعف النخيل، ونبت الورد الذي استطاع أن ينجو من قسوة الغلاء، ويتجهون نحو المقابر.
هناك، يصبح العيد أكثر هدوءًا… وأكثر صدقًا.
رجالٌ يقفون أمام قبور آبائهم بصمتٍ طويل. أمهات يربتن على التراب كما لو أنّ أبناءهنّ ما زالوا يسمعون. إخوة يقرأون الفاتحة لمن غابوا، وأصدقاء يتذكّرون ضحكاتٍ كانت تملأ المكان ثم اختفت فجأة، تاركةً وراءها فراغًا لا يملؤه الزمن.
في المقابر، لا أحد يسأل عن الأسعار. لا أحد يتحدث عن الأزمات الاقتصادية. هناك فقط حنينٌ ثقيل، ووجوهٌ جاءت لتقول للراحلين: اشتقنا إليكم… والعيد لا يكتمل دونكم.
كم يبدو المشهد موجعًا حين ترى عجوزًا تُرتّب وردةً على قبر زوجها، ثم تجلس قليلًا تُحدّثه عن الأبناء والأحفاد وأحوال الدنيا، كأن الموت غيابٌ مؤقت لا أكثر.
وكم يبدو العيد حزينًا حين يدرك الإنسان أن بعض المقاعد على مائدة الصباح ستبقى فارغة إلى الأبد.
ومع ذلك، يظلّ البسطاء أكثر الناس وفاءً لفكرة العيد.
يصنعونه من القليل. من فنجان قهوة، من زيارة رحم، من ضحكة طفل، من صينية كعك متواضعة، أو من دعوةٍ صادقة بأن تكون الأيام القادمة أقلّ قسوة.
ربما تغيّرت ملامح الأعياد، وربما أثقلت الظروف كاهل الناس، لكنّ الحقيقة التي لا تتغيّر أنّ الشعوب التي تعبت كثيرًا تتشبّث بالمواسم الصغيرة كي لا تنكسر تمامًا.
فالعيد، بالنسبة لكثيرين، ليس وفرةً في المال… بل مقاومةٌ صامتة للحزن.
هو أن تلبس الأمل ولو كان قديمًا. أن تبتسم رغم الضيق. أن تذهب إلى أحبابك تحت التراب بغصن زيتون ووردة، وتعود مؤمنًا أن الحياة، رغم قسوتها، تستحقّ أن نُبقي في قلوبنا نافذةً صغيرة للفرح.
لأنّ الأعياد، في النهاية، لا تُقاس بما نملك… بل بما يبقى فينا من إنسانيةٍ رغم كل ما نفقده.