كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
إربد العتيقة… حين كان المستنبت سلة غذاء المدينة
ثمة مدن لا تُقرأ من خرائطها، بل من ذاكرة أحيائها القديمة. وإربد واحدة من تلك المدن التي تختزل حكايتها في حي عتيق، حيث كانت الحجارة تحفظ أسماء أصحابها، وكانت الأزقة الضيقة تروي سيرة أجيال صنعت المكان قبل أن تصنعه الأبنية الحديثة.
في تلك الأزقة، كان الصباح يبدأ برائحة الخبز الساخن، وصوت الباعة المتجولين، وخطوات الأطفال في طريقهم إلى مدارسهم، فيما تتبادل النساء الأحاديث على عتبات البيوت، وتفتح الأبواب الخشبية على يوم جديد يشبه ما سبقه في بساطته ودفئه.
ولم يكن المستنبت الزراعي مجرد قطعة أرض على أطراف المدينة، بل كان قلبًا أخضر ينبض بالحياة، وسلة الغذاء التي تمد إربد بخيراتها. هناك كانت الأشجار تظلل الممرات، وكانت الخضراوات والفواكه تنضج تحت شمس المدينة، قبل أن تجد طريقها إلى أسواقها وبيوتها. لم يكن الناس يومها يتحدثون عن الأمن الغذائي، لأنهم كانوا يعيشونه واقعًا، وكانت الأرض تمنحهم ما يكفي من الخير، ويمنحونها في المقابل العناية والمحبة.
كان المزارعون يعودون مع ساعات الصباح الأولى محملين بصناديق البندورة والخيار والباذنجان، وقد التصقت بأيديهم رائحة التراب. وكانت الأسواق تستقبلهم بابتسامات تعرف قيمة التعب، فيما كانت النساء يخترن الثمار بعين خبيرة، ويلاحق الأطفال عربات الخضار بضحكات بريئة لا تزال عالقة في ذاكرة المدينة.
ولعل أجمل ما في المستنبت أنه لم يكن يزرع النباتات وحدها، بل كان يزرع علاقة الإنسان بأرضه، ويغرس في النفوس معنى الاكتفاء والانتماء، حتى غدا جزءًا أصيلًا من هوية إربد وذاكرتها الجمعية.
ثم جاءت التحولات الكبرى. وعلى أرض المستنبت قامت جامعة اليرموك، في انتقال يحمل دلالة حضارية عميقة؛ فمن أرض كانت تزرع الغذاء، ارتفع صرح يزرع العلم والعقول، وهي رسالة لا تقل نبلاً عن رسالة الأرض الأولى. غير أن المشهد المحيط بالمكان تغيّر مع مرور الزمن؛ فالطريق الذي كان يعانق الحقول أصبح اليوم مزدحمًا بمحال الوجبات السريعة وخدمات «الدليفري»، واكتسى بالإسمنت والشيد والقرميد، حتى كادت تختفي آخر ملامح الأرض التي كانت يومًا رئةً خضراء للمدينة.
وليس المقصود هنا الوقوف في وجه التطور، فلكل زمن ملامحه ومتطلباته، لكن المدن التي تفقد ذاكرتها تفقد شيئًا من روحها. فالحداثة الحقيقية لا تعني محو الأمس، بل البناء عليه، وحماية ما تبقى من ملامحه، لأن المكان الذي ينسى جذوره يتحول إلى مجرد مساحة بلا حكاية.
وحين يمر أحد أبناء إربد اليوم بمحاذاة جامعة اليرموك، قد لا يرى سوى شارع يعج بالحركة، لكن أبناء الجيل القديم يرون ما هو أبعد من ذلك؛ يرون حقولًا كانت تمتد على مرمى البصر، وأشجارًا كانت تمنح الظل، وأناسًا كانوا يؤمنون بأن الأرض شريكة الحياة وليست مجرد مساحة للبناء.
ستبقى إربد العتيقة أكبر من حي، وأعمق من ذاكرة، لأنها مدينة كتبت تاريخها بالحجارة والتراب والقمح، قبل أن تكتبه بالإسمنت. وستظل حكاية المستنبت الزراعي شاهدًا على مرحلة كانت فيها الأرض مصدرًا للرزق والطمأنينة، ثم أصبحت منارة للعلم بقيام جامعة اليرموك، قبل أن يفرض إيقاع المدينة الحديثة ملامحه الجديدة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: كيف نوازن بين التطور وصون الذاكرة؟ وكيف نحافظ على روح المدينة ونحن نعيد تشكيل ملامحها؟ فالأماكن العظيمة لا تعيش بما يُقام عليها من مبانٍ فقط، بل بما يبقى فيها من حكايات، وبما يحمله أبناؤها من وفاء لذاكرتها الجميلة.