كنانة نيوز –
لاهبةٌ بالحق، نابضةٌ بالهوية: قلقيلية في سفر الأرشيف العثماني.. صونٌ للذاكرة وجسرٌ للعودة
بقلم: نضال أنور المجالي
في عرين الوفاء وقبلة الأوفياء، احتضن مجلس قلقيلية تظاهرةً ثقافيةً وفكريةً مدوية، حملت عنوان “قلقيلية في الأرشيف العثماني”، بحضور حاشدٍ ضمّ قاماتٍ رسمية، وأكاديمية، وباحثين نذروا أنفسهم لحراسة التاريخ، إلى جانب حشدٍ غفير من أبناء قلقيلية الصامدة المقيمين في الأردن الطهور. وقد أطلق الحاضرون صرخةً مدويةً أكدوا فيها أن الوثيقة التاريخية ليست مجرد حبرٍ على ورق، بل هي السلاح الأعتى، والركيزة الصلبة في معركة خوض التاريخ وصون الذاكرة الوطنية من التزييف والطمس.
جبهة الدفاع عن الهوية والولاء المطلق
وافتتح رئيس مجلس قلقيلية، القامة الوطنية محمد سميك، الكلمة بوجدانٍ يفيض فخراً، رافعاً أسمى آيات الولاء والانتماء المزلزل إلى مقام جلالة الملك المفدى عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبدالله الثاني. وثمّن سميك بأعلى درجات الاعتزاز الدور الأردني الهاشمي التاريخي والصلب، الذي يقوده جلالة الملك بكل شجاعة في خندق الدفاع الأول عن حقوق الشعب الفلسطيني، والوصاية الهاشمية المقدسة والمقدامة على مقدسات القدس الإسلامية ، مؤكداً أن هذا التلاحم هو تجسيد حي لعقدٍ مصيري وأخوةٍ دموية وتاريخية لا تقبل القسمة ولا التراجع بين الأردن وفلسطين.
وأضاف سميك بنبرة حاسمة:
”إن الأمم التي لا تحرس تاريخها لا تصنع مستقبلاً، والمجلس لن يتخلى عن خندقه الثقافي والوطني، وسيبقى منارةً لتعزيز البحث العلمي وحماية الهوية الوطنية. إن توثيق تاريخ قلقيلية هو فرض عين ومسؤولية جماعية مقدسة تقع على عاتق كل باحث ومؤسسة وكل ابن برّ بهذه المدينة.”
عبق الوثائق وحتمية الحقيقة
وفي جولةٍ فكرية واثقة، اعتلى المنبر الباحث والمؤرخ القدير الدكتور عبدالله السفاريني، مستعرضاً وثائق نادرة ومحفوظة في الأرشيف العثماني، ومفككاً بالدليل القاطع تفاصيل الحياة الإدارية، السكانية، والاقتصادية لمدينة قلقيلية في تلك الحقبة. وأكد السفاريني أن العودة إلى المنبع والمصادر الأصلية هي الدرع القانوني والعلمي الذي يرسخ الرواية التاريخية الفلسطينية في وجه محاولات الطمس، مبيناً أن هذه الوثائق تفتح آفاقاً رحبة لجيل الباحثين للتسلح بالحقائق ومجابهة الروايات الهشة وغير الموثقة.
وفي كلمةٍ زلزلت القاعة، نابت عن “مجموعة قلقيلية للتواصل والزيارات” وألقاها موسى الحلاج، أعلن فيها أن قراءة التاريخ ليست للبكاء على الأطلال أو استذكار الماضي، بل هي استنهاض للهمم واستخلاص للدروس لبناء غدٍ مكلل بالتحرير والسيادة. واستحضر الحلاج بزهو كيف تحولت قلقيلية عقب العهد العثماني إلى مركز نابض للقضاء وازدهار التجارة، مرسخةً حضورها الإستراتيجي مع حواضر فلسطين الشامخة كيّافا وعكا وحيفا.
ووجه الحلاج نداءً حاراً وواجب النفاذ، داعياً فيه كل حر من أبناء قلقيلية، وكل من يمتلك وثيقة، أو صورة، أو شهادة حية، إلى الإسراع في توثيقها وحفظها؛ اعتباراً بأن كل قصاصة ورق هي خط دفاع أول عن الذاكرة الفلسطينية والوجود التاريخي.
حراك وتكريم لفرسان الميدان
وشهدت الندوة عاصفة من النقاشات الواعية والمداخلات الجريئة التي ركزت على إطلاق مبادرات مجتمعية فورية لجمع التاريخ الشفوي والوثائق، والتشديد على دفع الشباب والجيل الصاعد نحو خوض غمار البحث التاريخي المسلح بالوثائق العثمانية لضمان تسليم الراية من جيل إلى جيل بكل أمانة وقوة.
وفي ختام هذا المحفل اللاهب بالانتماء، قامت “مجموعة قلقيلية للتواصل والزيارات” بتقليد رئيس المجلس محمد سميك درعاً تقديرياً تقديراً لجهوده الجبارة في إعلاء صوت المجلس وتفعيل دوره الوطني الثقافي. وبالمثل، كرّم سميك الباحث الفذ الدكتور عبدالله السفاريني وكوكبة من القامات الأكاديمية بدروع تذكارية، تضحيةً واعتزازاً بإسهاماتهم الإستراتيجية في حراسة التاريخ الفلسطيني وإثراء البحث العلمي.
ستبقى الذاكرة حية، وستظل الوثائق شاهدةً على الحق الذي لا يموت، والولاء الذي لا ينحني!
حفظ الله الاردن والهاشمين وفلسطين.