كنانة نيوز –
عدنان نصّار:
حزب العمال الأردني… تراجع الدور أم إعادة التموضع؟
في السياسة، لا تُقاس الأحزاب فقط بعدد المقاعد التي تحصدها في الانتخابات، بل بقدرتها على الحفاظ على حضورها العام، وإدارة توازناتها الداخلية، وتطوير خطابها بما ينسجم مع تحولات المجتمع والدولة. ومن هذا المنظور، يواجه حزب العمال الأردني اليوم تساؤلات جدية حول موقعه في المشهد الحزبي بعد مرحلة بدا فيها أكثر حضورًا عقب الانتخابات النيابية الأخيرة.
فالحزب الذي برز ضمن القوى الحزبية المستفيدة من مسار التحديث السياسي، وتمكن من تسجيل حضور برلماني (مقعد واحد)، كان يُنظر إليه باعتباره جزءًا من موجة سياسية جديدة يُفترض أن تعيد تشكيل الحياة الحزبية في الأردن. غير أن هذا الزخم لم يستمر بالوتيرة ذاتها، ما فتح الباب أمام قراءات متعددة: هل نحن أمام تراجع في الدور؟ أم أمام إعادة تموضع داخلية لم تكتمل ملامحها بعد؟
خلال الفترة الماضية، واجه الحزب مجموعة من التحديات التي انعكست على حضوره العام، من بينها خلافات تنظيمية وصلت إلى مسارات قانونية وإدارية، وما رافقها من نقاشات داخلية حول آليات إدارة الحزب واتخاذ القرار. ورغم أن هذه الخلافات لم تتحول إلى انقسام معلن أو تفكك تنظيمي، إلا أنها تركت أثرًا واضحًا على صورة الحزب في الفضاء العام، وأثارت تساؤلات حول درجة التماسك الداخلي.
وفي المقابل، تراجع الحضور الإعلامي والسياسي للحزب مقارنة بمرحلة ما بعد الانتخابات، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى الربط بين هذا التراجع وبين انشغالات داخلية تتعلق بإعادة ترتيب البيت الحزبي، أكثر من كونه انسحابًا من المشهد السياسي.
لكن في المقابل، لا يمكن بناء حكم نهائي على أساس هذا التراجع النسبي في الظهور، إذ تشير معطيات أخرى إلى أن الحزب لا يزال يحتفظ ببنيته التنظيمية وكوادره الفاعلة داخل البرلمان وخارجه، مع استمرار مشاركته في النقاشات العامة حول قضايا تشريعية وسياسية، وإن بوتيرة أقل حضورًا إعلاميًا.
أما ما يُتداول بشأن وجود خلافات داخل الإطار الحزبي، فهو يعكس في جزء منه طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها الأحزاب الأردنية عمومًا، في ظل بيئة سياسية جديدة ما تزال في طور التشكل. وحتى اللحظة، لا توجد مؤشرات رسمية على انقسام بنيوي داخل الحزب، بقدر ما هي تباينات في الرؤى وأساليب إدارة المرحلة.
ويبقى النقد الموضوعي للحزب ضرورة سياسية وصحفية في آن واحد. فمن أبرز الملاحظات التي تُطرح عليه أنه لم ينجح حتى الآن في تحويل حضوره البرلماني على الرغم من محدوديته إلى تأثير اجتماعي واسع ومباشر في القضايا اليومية للمواطنين، كما أن خطابه العام ما زال بحاجة إلى مزيد من التوسع والانفتاح على مختلف الفئات الاجتماعية خارج الإطار النخبوي.
كذلك، يُلاحظ أن نشاط الحزب يتركز بدرجة أكبر في المسارات التنظيمية والمؤسسية، مقابل حاجة واضحة لتعزيز حضوره الميداني والمجتمعي، خصوصًا في المحافظات، حيث تشكل القضايا الاقتصادية والمعيشية أولوية أساسية للرأي العام.
في المقابل، يُحسب للحزب أنه حاول منذ تأسيسه تقديم نموذج حزبي قائم على البرامج والمؤسسات لا على الأشخاص، وسعى إلى بناء خطاب سياسي حديث يتماشى مع متطلبات التحديث السياسي في الأردن، وهو ما يشكل نقطة قوة يمكن تطويرها بدل تجاوزها.
في المحصلة، يقف حزب العمال اليوم أمام اختبار حقيقي يتجاوز مسألة التراجع أو الحضور الإعلامي، ليصل إلى جوهر السؤال: هل ينجح الحزب في تحويل تجربته البرلمانية والتنظيمية إلى مشروع سياسي مستدام وفاعل على مستوى المجتمع؟
فالأحزاب لا تُقاس بلحظات الصعود أو التراجع المؤقت، بل بقدرتها على التطور والتجدد والاستجابة للتحولات. وبين التراجع وإعادة التموضع، تبقى الإجابة مرهونة بما ستقدمه المرحلة المقبلة من أداء سياسي وتنظيمي قادر على استعادة الثقة وتوسيع الحضور