كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
على مهل… هنا كانت إربد
يقولون عني المشّاء، وإحداهن قالت ذات صباح: أنت سفير الذكريات. وربما كانت تعرف أنني لا أبحث في المدن عن الفنادق الفاخرة ولا عن الشوارع الواسعة، بل عن الأزقة التي ما زالت تحفظ أسماء أصحابها، وعن الحجارة التي تعلّمت الإصغاء لخطوات الناس.
أحب أن أشرب قهوة الصباح في الحواري العتيقة، حيث يمتزج عبق البن برائحة التاريخ. ليس في إربد وحدها؛ ففي القاهرة أشربها في خان الخليلي، حيث يبدو الزمن جالساً على مقعد خشبي ينتظر زواره، وفي دمشق أرتشفها في مقهى النوفرة، حيث ما زال الحكواتي يوزع الحكايات كما يوزع الخبز، أما بيروت… فكل بيروت أحاكيها، مدينة كلما اعتقدت أنها تعبت، نهضت من جديد لتكتب قصيدتها على صفحة البحر.
لكن لإربد طقسها الخاص، فما إن أصل إليها حتى تمضي قدماي وحدهما إلى شارع السينما، كأنهما تحفظان الطريق أكثر مما يحفظه العقل. شارع يمتد من الغرب إلى الشرق، لكنه في الحقيقة يمتد من الطفولة إلى هذه اللحظة. شارع لا يختصر المسافات، بل يطيلها حتى يمنحك فرصة كافية لتصافح الوجوه التي لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.
كل تقاطع فيه يشبه مفترقاً في العمر. هنا كنا نلتقي بلا مواعيد، وهناك افترقنا على أمل لقاء قريب، وفي زاوية أخرى كانت تبدأ أحلامنا الصغيرة، أحلام لم تكن تعرف شيئاً عن صخب هذا الزمن. لم تكن الشوارع مجرد إسفلت، بل كانت دفاتر مفتوحة نكتب عليها تفاصيل أيامنا دون أن ندرك أننا سنعود لقراءتها بعد عقود.
من هنا كنا نشتري ملابسنا، لا لنرتدي الجديد فحسب، بل لنمنح أنفسنا أناقة استثنائية، كنا نظن أنها تجعلنا أكبر سناً وأكثر حضوراً. كانت واجهات المحال تلمع في عيوننا أكثر مما تلمع تحت الشمس، وكان الباعة يعرفون أسماءنا وأسماء آبائنا، فيسألون عن العائلة قبل أن يسألوا عن المقاس. كانت الثياب تُشترى بفرح، لا بعجلة، وكان لكل موسم رائحة، ولكل قميص حكاية، ولكل معطف موعد ينتظر شتاء إربد.
ولم تكن الأناقة تكتمل إلا بعد زيارة المرحوم فارس، حلاق الحي الذي لم يكن يمارس مهنة فحسب، بل كان يصنع مزاجاً جميلاً ليوم كامل. كانت يداه الخبيرتان تصففان شعرنا بعناية، وتمنحانه لمعاناً ونعومة كأنهما تضعان اللمسة الأخيرة على أحلامنا الصغيرة. كنا نخرج من عنده أكثر ثقة بأنفسنا، نمشي في شارع السينما وكأن المدينة كلها تراقب أناقتنا. كان فارس يعرف أبناء إربد واحداً واحداً، ويعرف كيف يحول كرسي الحلاقة إلى مجلس عام، تُروى فيه الأخبار، وتُحكى النوادر، وتُولد الضحكات التي بقي صداها حتى بعد أن غاب صاحبها.
وفي منتصف الشارع، كانت سينما الزهراء تقف شامخة، لا كمبنى، بل كنافذة واسعة على العالم. عند بوابتها بدأت حكايات كثيرة، وهناك كانت قلوبنا تخفق قبل أن تُطفأ الأنوار. لم نكن ندخل السينما بحثاً عن ساعتين من التسلية، بل كنا ندخلها لنكتشف وجهاً آخر للحياة.
كانت أفلام مثل «الأرض» و«الكرنك» جزءاً من تكوين وعينا الأول. علمتنا أن الوطن ليس شعاراً يُرفع، بل قيمة تُعاش، وأن الكرامة لا تُشترى، وأن الإنسان يستطيع أن يقاوم بالكلمة كما يقاوم بالفعل. خرجنا من قاعة العرض ونحن نحمل أسئلة أكبر من أعمارنا، ونناقش المشاهد وكأننا شهود عليها. كانت السينما يومها مدرسة أخرى، تزرع فينا الانتماء، وتعزز إحساسنا بالأرض، وتمنحنا درساً مبكراً في الوطنية، دون خطابات أو شعارات.
ولأن شارع السينما كان قلب إربد النابض، فقد كانت الحياة كلها تمر من هنا. الموظف المتجه إلى عمله، والطالب الذي يحمل كتبه، والفلاح القادم من القرى المجاورة، وبائع الصحف الذي يسبق الأخبار، وصاحب المقهى الذي يعرف زبائنه من وقع خطواتهم. كان الجميع يلتقون في هذا الشارع، حتى بدا كأنه صورة مصغرة عن المدينة بأكملها.
اليوم، قد تتغير الواجهات، وتختفي أسماء محال، ويغيب أناس أحببناهم، لكن الذاكرة لا تعترف بالإزالة. فما زالت خطواتنا القديمة تمشي هناك، وما زال صوت فارس يرحب بزبائنه، وما زالت بوابة سينما الزهراء تفتح أبوابها في خيالنا، وما زالت رائحة القهوة تتسلل من بين حجارة الشارع العتيق.
ولهذا، كلما قيل لي إن المدن تتغير، أبتسم. المدن قد تتبدل ملامحها، لكن الأماكن التي صنعت وجداننا تبقى عصية على الغياب. وشارع السينما لم يكن مجرد شارع يمتد من الغرب إلى الشرق، بل كان الطريق الذي عبرت منه طفولتنا إلى الشباب، والذي عبرت منه إربد إلى قلوبنا.
لذلك، كلما مررت هناك، أخفض سرعة خطواتي، وأهمس لنفسي: على مهل… هنا كانت إربد… وما زال شيءٌ منها يقيم فينا إلى الأبد.