عدنان نصّار يكتب:
الأردن… حين يطرق القاتل أبواب المجتمع
ليست المشكلة أن تقع جريمة قتل، فالجريمة رافقت المجتمعات منذ فجر التاريخ، ولم ينجُ منها بلد مهما بلغت درجة تقدمه أو استقراره. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح خبر القتل خبراً عادياً، وحين يفقد المجتمع دهشته أمام الدم، ويصبح السؤال بعد كل جريمة: أين وقعت؟ لا: لماذا وقعت؟
في الأردن، لا تزال الدولة تتمتع بدرجة عالية من الأمن والاستقرار مقارنة بمحيط إقليمي تمزقه الحروب والفوضى، وهذه حقيقة لا يجوز إنكارها أو التقليل من شأنها. لكن الحقيقة الأخرى، التي لا تقل أهمية، أن المجتمع الأردني يعيش حالة قلق متزايدة كلما استيقظ على جريمة جديدة، لأن الناس لا يقرأون الأمن من خلال الجداول الإحصائية، بل من خلال شعورهم اليومي بالأمان.
كل جريمة قتل ليست مجرد ملف جنائي ينتهي بإلقاء القبض على الجاني، وإنما إعلان عن خلل اجتماعي وثقافي ونفسي واقتصادي يستحق أن يُقرأ بعمق. فالقاتل لا يولد قاتلاً، وإنما تصنعه ظروف، وتغذيه بيئة، ويكبر أحياناً في ظل صمت المجتمع عن أسباب العنف حتى يتحول إلى فعل مأساوي.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا أصبح بعض الناس يلجأ إلى السكين أو الرصاصة أو أي وسيلة قاتلة لحسم خلاف كان يمكن أن ينتهي بكلمة أو بحكم قانون؟
هل تغير الإنسان الأردني؟ أم أن الضغوط التي يعيشها باتت أكبر من قدرته على الاحتمال؟ أم أننا أمام أزمة قيم تتسلل بهدوء إلى المجتمع دون أن ننتبه إليها؟
لسنوات طويلة، كان الأردنيون يفاخرون بتماسك الأسرة، وبسطوة العيب قبل القانون، وبأن الجار يحمي جاره، وأن الكبير يصلح بين المتخاصمين قبل أن يصلوا إلى المحاكم. أما اليوم، فقد تراجعت كثير من أدوات الضبط الاجتماعي، وبرزت الفردية، واتسعت مساحات الغضب، وغابت لغة الحوار في كثير من البيوت، حتى أصبح الخلاف الصغير مرشحاً لأن يتحول إلى مأساة كبيرة.
ولا يمكن الحديث عن الجريمة بمعزل عن الاقتصاد. فحين يشعر رب الأسرة بالعجز، ويعيش الشاب سنوات طويلة بلا عمل أو أفق، وتتراكم الديون، وتتآكل الطبقة الوسطى، يصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام الانفجار. لكن من الخطأ أيضاً اختزال الجريمة بالفقر، لأن آلاف الفقراء يعيشون بشرف، فيما قد يرتكب الجريمة من يملك المال. القضية أعمق من ذلك؛ إنها أزمة وعي، وأزمة تربية، وأزمة احتواء.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف وقوداً جديداً. لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى منصة للشتم والتشهير والتحريض واستعراض القوة، حتى أصبح بعض الشباب يتعامل مع العنف بوصفه بطولة، ومع الانتقام بوصفه إثباتاً للرجولة، وهي ثقافة دخيلة على المجتمع الأردني.
ويبقى السؤال الأصعب: هل يكفي أن نقبض على القاتل بعد وقوع الجريمة؟
الجواب بالتأكيد لا.
نجاح الأجهزة الأمنية في سرعة كشف الجرائم يستحق كل التقدير، لكنه لا ينبغي أن يصرف الأنظار عن مسؤولية الوقاية. فالأمن الحقيقي لا يُقاس بسرعة الوصول إلى مسرح الجريمة، بل بعدد الجرائم التي نجح المجتمع في منعها قبل أن تقع.
ومن هنا، فإن مسؤولية مواجهة العنف لا تقع على عاتق مديرية الأمن العام وحدها، ولا على القضاء وحده، ولا على المشرّع وحده. إنها مسؤولية وطنية تبدأ من الأسرة، حيث يتعلم الطفل احترام الآخر، ومن المدرسة التي تغرس قيمة الحياة، ومن الجامعة التي تصنع العقل، ومن المسجد والكنيسة اللذين يحرّمان سفك الدم، ومن الإعلام الذي يجب أن يصنع الوعي بدلاً من الاكتفاء بملاحقة الإثارة.
لقد آن الأوان لإطلاق حوار وطني صريح حول التحولات الاجتماعية التي يعيشها الأردن. حوار لا يخجل من طرح الأسئلة الصعبة: لماذا يزداد منسوب الغضب؟ لماذا تتراجع ثقافة التسامح؟ لماذا أصبح بعض الشباب أكثر ميلاً للعنف؟ وهل تحتاج بعض التشريعات والسياسات الوقائية إلى مراجعة بما يعزز الردع ويحفظ هيبة القانون؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس ارتفاع الجريمة وحده، بل اعتيادها. فحين يصبح الدم خبراً عادياً، يبدأ الضمير العام بفقدان حساسيته، وتبدأ القيم بالتآكل بصمت.
الأردن يستحق أن يبقى واحة أمن، لا لأننا نردد ذلك في الخطابات، بل لأننا نحمي هذا الأمن بالعدل، وبالتربية، وبالفرص الاقتصادية، وبسيادة القانون، وبمشروع وطني يعيد بناء الإنسان قبل أن يبني الحجر.
فالقاتل لا يهدد ضحيته وحدها، بل يهدد صورة الوطن، ويهز ثقة الناس، ويزرع الخوف في البيوت.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا: هل سنكتفي، بعد كل جريمة، بكتابة بيان، ونشر خبر، وانتظار الجريمة التالية؟ أم أن الوقت قد حان لقرع جرس الإنذار، قبل أن يطرق القاتل باب بيت آخر؟
فالأوطان لا تُحفظ بالشعارات، وإنما تُحفظ حين يشعر كل مواطن أن حياته مصانة، وأن القانون حاضر، وأن المجتمع لا يزال قادراً على حماية قيمه مثلما يحمي حدوده.