كنانة نيوز –
مقصلة الروتين: عندما تتحول المعاملة الحكومية إلى معركة إذلال للمواطن والمستثمر !
بقلم المهندس : انس سعيد عبيدات
الحقيقة التي يجب على المسؤولين معرفتها هو انه لم يعد المواطن الأردني ولا المستثمر الذي نحاول جاهدين استقطابه يخشى تعقيد القوانين بقدر ما يخشى تغول الإجراءات فالقانون قد يكون واضحا ومكتوبا بقلم من نورلكن الطريق إلى تطبيقه على أرض الواقع تحول في كثير من مؤسساتنا إلى متاهة من الموافقات و التواقيع والانتظار ومزاجية الأسئلة التي لا تنتهي وكأننا في معركة استنزاف مقصودة ضد الوقت والجهد والأعصاب .
في أروقة دوائرنا الرسمية لا يزال الوقت يعامل كسلعة رخيصة لا قيمة لها ساعات طويلة يقضيها المواطنون المراجعون في طوابير الانتظار وأيام تضيع هباء خلف المكاتب للحصول على موافقة أو رخصة يفترض أن تنجز بنقرة زر وبين هذا وذاك تتراكم الخسائر الاقتصادية والنفسية خلف الأبواب دون أن تظهر في أي تقرير حكومي منمق أو تقرير لتسويق الإنجاز .
المشكلة الحقيقية اليوم ليست في نقص الكفاءات فالقطاع العام يزخر بطاقات وطنية مخلصة بل المعضلة تكمن في ثقافة إدارية مشلولة ما زالت ترى في كثرة التعقيد تعبيرا عن الهيبة وفي تعدد الموافقات واللجان صك براءة للحوكمة والحقيقة الصادمة أن هذه المنظومة العقيمة لا تنتج انضباطا بل تفرخ بيئة خصبة للفساد الإداري والمزاجية حين تصبح “الواسطة” هي الجسر الوحيد والمختصر لإنقاذ معاملة من الموت السريري في أدراج الموظف فالمشكلة ليست في المواطن الذي يبحث عن مخرج بل في نظام إداري مهترئ سمح بوجود طرق ملتوية خارج سيادة القانون .
والأنكى من ذلك هو ما يسمى زيفا بالتحول الرقمي حيث اندفعت بعض المؤسسات لنقل “التعقيد البيروقراطي والروتين العقير” ذاته من الأوراق إلى شاشات الكمبيوتر ليجد المواطن نفسه يدوخ في متاهة الكترونية بدلا من المتاهة الورقية وكأن التكنولوجيا عندنا وجدت لشرعنه المماطلة لا لإعدامها !
إن قوة الدولة وهيبتها لا تقاس بعدد الأختام والاشتراطات التي يملؤها المواطن بل بقدرتها على خدمته بكفاءة وعدالة وسرعة بروح الميدان لا بروح المكاتب المغلقة المكيفة المواطن الذي يشعر أن وقته وكرامته محترمان على شباك الخدمة سيحترم مؤسسات دولته والمستثمر وتحديدا المغترب الذي يعود حاملا مدخراته للبناء إذا وجد نافذة استثمارية حقيقية خالية من “الأيدي المرتعشة” سيضخ أمواله بثقة بدلا من الاضطرار للرحيل وإغلاق الأعمال كما نرى في المنصات الإخبارية كل يوم .
يا صناع القرار في صالونات عمان والدوار الرابع الإصلاح الإداري لا يبدأ بالبيانات الإنشائية والخطب الاستعراضية بل يبدأ بقرارات تشريعية وتنفيذية تجيب عن سؤال انتحاري واحد :
كم إجراء بيروقراطياً تم إلغاؤه واجتثاثه هذا الشهر؟
فالدول التي تحترم مستقبلها لا تتقدم بتعقيد حياة ناسها وتطفيش رؤوس أموالها بل بكسر كواهل المعطلين وإزالة الحصون البيروقراطية من طريقهم .
