كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
بين الدولة والحركة: كيف ترى عمّان الإخوان المسلمين اليوم؟
لم تكن العلاقة بين الدولة الأردنية وحركة الإخوان المسلمين يومًا علاقة ثابتة أو أحادية الاتجاه، بل أقرب إلى مسار طويل من التوازنات الدقيقة، التي تتبدل وفقًا لضرورات السياسة الداخلية، وتحولات الإقليم، وإيقاع الدولة نفسها في إدارة المجال العام. ومن هنا، فإن فهم “الرؤية الأردنية” تجاه الإخوان لا يمكن اختزاله في لحظة سياسية واحدة، بل في تراكم تاريخي صنع نموذجًا خاصًا في العلاقة بين الدولة والحركة في الأردن مقارنة بغيره من السياقات العربية.
منذ البدايات الأولى لوجود الحركة في الأردن، برزت حالة من التعايش السياسي غير المعلن، حيث جرى التعامل مع الإخوان بوصفهم جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي، مع السماح لهم بهامش واسع من العمل في مجالات الدعوة، والتعليم، والعمل الخيري، والنقابات المهنية. هذا الهامش لم يكن انفلاتًا بقدر ما كان جزءًا من مقاربة أردنية تقليدية في إدارة التعدد، تقوم على الاحتواء المنضبط بدل الإقصاء المباشر.
غير أن هذا المشهد بدأ يتغير تدريجيًا مع التحولات الإقليمية الكبرى، خصوصًا منذ مطلع الألفية، ثم بصورة أكثر وضوحًا بعد عام 2011، حيث أعادت موجات “الربيع العربي” تشكيل موقع الحركات الإسلامية في المنطقة، ودفعت العديد من الدول، بما فيها الأردن، إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الدولة والتنظيمات السياسية ذات المرجعية الدينية.
في هذا السياق، باتت عمّان تنظر إلى الإخوان المسلمين من زاويتين متداخلتين: زاوية سياسية تتعلق بمستقبل العمل الحزبي والمشاركة في الحياة العامة، وزاوية مؤسساتية-قانونية تتصل بضرورة ضبط العمل التنظيمي ضمن أطر مرخصة وواضحة، تضمن عدم تداخل العمل الدعوي والاجتماعي مع العمل السياسي الحزبي بصورة قد تخلق ازدواجية في المرجعية أو الالتزام.
وبين هاتين الزاويتين، تشكلت مقاربة أردنية تميل إلى “إعادة التنظيم” أكثر من “إعادة الإقصاء”. فالدولة، التي خبرت على مدى عقود إدارة التوازنات الدقيقة بين مختلف القوى الاجتماعية والسياسية، تدرك أن الاستقرار الداخلي يرتبط بوجود قنوات سياسية منظمة، تسمح بالتعبير عن التمثيل الشعبي ضمن قواعد واضحة، بدل ترك المساحات الرمادية مفتوحة.
في المقابل، واجهت الحركة بدورها سلسلة من التحديات الداخلية، تمثلت في اختلافات بنيوية بين أجنحتها، وتباين في الرؤى بين تيارات أكثر براغماتية وأخرى أكثر تشددًا في تعريف العلاقة مع الدولة، إضافة إلى تأثير التحولات الإقليمية التي أضعفت حضور الإسلام السياسي في عدد من الدول، وأثرت بشكل غير مباشر على موقعه في الأردن أيضًا.
كما أن التحول التدريجي في الحياة السياسية الأردنية، نحو تعزيز دور الأحزاب البرامجية وتوسيع قاعدة المشاركة البرلمانية، وضع الإخوان المسلمين أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتهم على إعادة إنتاج خطابهم السياسي بما يتناسب مع قواعد اللعبة الجديدة، التي تميل إلى تقليص المساحات غير المؤسسية في العمل العام.
ورغم كل ذلك، لا يمكن القول إن العلاقة بين الدولة والحركة تتجه نحو القطيعة أو الانفجار. فالمقاربة الأردنية، كما تظهر في الممارسة، تميل إلى إدارة التوازن أكثر من كسره، وإلى ضبط الإيقاع أكثر من تغييره جذريًا. وهو ما يعكس فلسفة سياسية تراكمت عبر سنوات طويلة، تقوم على تجنب الصدامات المفتوحة مع القوى الاجتماعية ذات الحضور الشعبي، مقابل تنظيم حضورها ضمن إطار الدولة.
من هنا، يمكن فهم “الرؤية الأردنية” الحالية تجاه الإخوان المسلمين باعتبارها رؤية عملية براغماتية، لا تقوم على الاصطفاف الأيديولوجي، بل على إدارة الواقع السياسي بما يحفظ الاستقرار الداخلي، ويمنع في الوقت نفسه تفكك المجال العام أو انفلاته خارج الأطر المؤسسية.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن العلاقة بين عمّان والإخوان المسلمين اليوم ليست علاقة حسم، بل علاقة إدارة مستمرة، تتأرجح بين الضرورات السياسية للدولة، وتحديات التجديد داخل الحركة نفسها. وهي علاقة ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن ضمن سقف واضح: لا قطيعة شاملة، ولا عودة إلى الماضي كما كان.