كنانة نيوز –
فزنا بأخلاقنا وقيمنا… الأردن كما رآه العالم
د. محمد حيدر محيلان
قد تخسر المنتخبات مباراة، وقد تكسب أخرى، لكن هناك انتصارات لا تُقاس بالأهداف ولا بعدد النقاط، بل بما تتركه الشعوب من أثر في ذاكرة العالم. وهذا هو الانتصار الذي حققه الأردن في كأس العالم.
لقد دخل النشامى المونديال يحملون أحلام شعب بأكمله، لكن الجماهير الأردنية حملت معها ما هو أكبر من كرة القدم؛ حملت أخلاق الأردنيين وقيمهم وهويتهم الحضارية. ولم يكن المشهد الذي تناقلته وسائل الإعلام ومنصات التواصل للجماهير وهي تنظف المدرجات بعد نهاية المباراة مجرد تصرف عابر، بل رسالة حضارية تقول إن احترام المكان جزء من احترام الإنسان، وإن الأخلاق لا تتوقف عند صافرة الحكم.
وفي الداخل الأردني رسم الشعب لوحة وطنية نادرة. فمن المدرج الروماني في عمّان، إلى ساحات جرش، إلى العقبة، وإربد، والزرقاء، والكرك، والسلط، ومادبا، ومعان، والطفيلة، وعجلون، والمفرق، توحد الأردنيون خلف علم واحد، وصوت واحد، وفرحة واحدة. كانت المدن كلها ملعباً واحداً، وكانت القلوب تنبض بإيقاع الوطن، في مشهد جسّد أسمى معاني الوحدة الوطنية والتلاحم المجتمعي.
ولم تكن تلك التجمعات مجرد متابعة لمباريات كرة قدم، بل كانت إعلاناً عملياً عن حالة أردنية جميلة وفريدة، تتجسد فيها المحبة والألفة والتكافل والانتماء، ويلتقي فيها أبناء الوطن على اختلاف مواقعهم واتجاهاتهم تحت راية الأردن، في صورة تؤكد عمق العلاقة بين القيادة والشعب، وترسخ أن قوة الوطن لا تكمن في إمكاناته المادية وحدها، بل في تماسك مجتمعه ووحدة صفه.
وفي الولايات المتحدة، حيث أقيمت البطولة، لفت الأردنيون الأنظار بأخلاقهم قبل هتافاتهم، وبابتساماتهم قبل احتفالاتهم، وبكرمهم وشهامتهم قبل تشجيعهم. لقد تحدث كثيرون بإعجاب عن هذا الجمهور الذي جاء يحمل حضارته معه، ويقدم صورة مشرقة عن الإنسان الأردني، حتى أصبح الحديث عن الأردن يتجاوز كرة القدم إلى ثقافته وتراثه وقيمه وحضارية اللاعب والمشجع الذي شاهده الجميع.
ومع مليارات المشاهدات والمتابعات حول العالم، لم يكن اسم الأردن مجرد اسم يظهر على شاشة النتائج، بل أصبح قصة يبحث عنها الناس. كثيرون ممن لم يكونوا يعرفون الأردن بدأوا يبحثون عن تاريخه، البتراء، ووادي رم، وجرش، والبحر الميت، والعقبة، وعن شعبه الذي استطاع أن يحول مناسبة رياضية إلى نافذة للتعريف بوطنه وحضارته وإنسانه، شعب مميز بكل ما فيه، تجمع وأتلف بحب وعشق حول منتخبه الاروع.
لقد قام النشامى، ومعهم الجماهير الأردنية، بأعظم حملة ترويجية عرفها الأردن؛ حملة لم تعتمد على الإعلانات، بل على السلوك. فالأخلاق هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، وهي أسرع طريق إلى احترام الشعوب.
وربما لم يصل منتخبنا إلى الأدوار المتقدمة في البطولة، لكن الأردن وصل إلى مكانة متقدمة في قلوب ملايين البشر. فقد انتصرنا في ميدان القيم، وربحنا احترام العالم، وقدمنا نموذجاً لشعب يفرح برقي، ويشجع بأدب، ويختلف باحترام، ويغادر المكان أنظف مما وجده.
هذا هو الفوز الذي لا تسلبه صافرة حكم، ولا تلغيه نتيجة مباراة. إنه الفوز الذي يبقى في ذاكرة الأمم، لأن البطولات تنتهي، أما الأخلاق فتبقى، ويبقى معها اسم الأردن مرفوعاً، كما عرفه العالم دائماً… وطن النشامى، ووطن القيم، ووطن الإنسان.