كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب: بين الدفاع عن الجامعة… وحق الإعلام في السؤال
عميد كلية إعلام اليرموك يرد في مقال له “بالرأي الاردنية” على مقالتي في “راي اليوم” اللندنية.. وهو حق مشروع، لكن علينا أن نقول التالي:
في القضايا التي ترتبط بصحة الطلبة والناس وسلامتهم، يصبح التعامل الإعلامي والمؤسسي مع الحدث اختبارًا حقيقيًا لمدى نضج المؤسسات وقدرتها على إدارة الأزمات بشفافية، كما يصبح اختبارًا موازياً لقدرة الإعلام على أداء رسالته المهنية بعيدًا عن الانفعال أو التبرير أو التهويل.. ومن هنا، فإن ما أُثير مؤخرًا حول حادثة الاشتباه بتسمم أكثر من (55) من طلبة المدرسة النموذجية التابعة لجامعة اليرموك، وما تبعه من مقالات وردود وتعليقات، يستحق قراءة هادئة ومتوازنة تضع الأمور في سياقها الطبيعي، بعيدًا عن الاستقطاب أو تحويل المسألة إلى مواجهة بين الإعلام والجامعة.
وكان الزميل العزيز الأستاذ الدكتور زهير الطاهات، عميد كلية الإعلام في جامعة اليرموك، قد نشر أمس الأحد مقالًا في صحيفة “الرأي الأردنية: بعنوان «المسؤولية المؤسسية والسبق الصحفي»، تناول فيه طريقة التعاطي الإعلامي مع الحادثة، مدافعًا عن الجامعة وإجراءاتها المؤسسية، ومعتبرًا أن بعض التغطيات الصحفية جنحت نحو “الإثارة والسبق” على حساب الدقة والموضوعية.
وفق وصف الزميل د.الطاهات وهو أمر مستغرب في دوائر الصحافة والإعلام ، أن يأت هذا الوصف من زميل مقدر يتسلم عمادة الإعلام في اليرموك..
ويأتي مقال الدكتور الطاهات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ردًا على مقالٍ كنتُ قد نشرته في “رأي اليوم اللندنية” السبت الفائت تناول حادثة الاشتباه بتسمم الطلبة وما أثارته من تساؤلات تتعلق بملف السلامة والرقابة داخل المرافق الخدمية في الجامعة. وهو أمر يبقى ضمن المساحة الطبيعية للحوار الإعلامي وتبادل وجهات النظر، ما دام قائمًا على احترام الرأي الآخر والاحتكام إلى الوقائع والمصلحة العامة بعيدًا عن الشخصنة أو التصعيد.
وبدايةً، لا بد من التأكيد أن جامعة اليرموك ليست مؤسسة عابرة في الوعي الأردني، بل واحدة من أهم الصروح الأكاديمية الوطنية التي خرّجت أجيالًا وأسهمت في بناء المشهد العلمي والثقافي والإعلامي في الأردن والعالم العربي.
كما أن أي منصف يدرك أن إدارة الجامعة تعاملت مع الحادثة منذ اللحظة الأولى بجدية واضحة، وأن الجهات الصحية والرقابية قامت بواجبها في متابعة الحالات والإجراءات الطبية والوقائية، وهو أمر يُحسب للمؤسسة لا عليها.
وفي الوقت ذاته، فإن الاهتمام الإعلامي والشعبي بالحادثة لم يكن استهدافًا للجامعة بقدر ما كان انعكاسًا طبيعيًا لحساسية الملف نفسه، لأن الحديث هنا يتعلق بصحة الطلبة داخل مؤسسة تعليمية يفترض أن تكون نموذجًا في معايير السلامة والرعاية والرقابة. ومن الطبيعي في مثل هذه الحالات أن ترتفع وتيرة الأسئلة والاهتمام الشعبي والإعلامي، لا بدافع الإساءة، بل بدافع القلق والمسؤولية العامة.
ومن باب الإنصاف كذلك، فإن الزميل العزيز الأستاذ الدكتور زهير الطاهات، بصفته عميدًا لكلية الإعلام في جامعة اليرموك، ينطلق بطبيعة الحال من موقع أكاديمي وإداري يجعله أكثر حرصًا على صورة المؤسسة وسمعتها ومكانتها الوطنية. وهذا أمر مفهوم ومقدَّر، خصوصًا في ظل حساسية أي قضية تمس جامعة بحجم اليرموك ورمزيتها الأكاديمية. كما أن تقدير الموقف الوظيفي والإداري داخل الجامعة يبقى أمرًا مفهومًا في سياق الدفاع عن المؤسسة التي ينتمي إليها الكاتب أكاديميًا ووظيفيًا.
لكن في المقابل، فإن هذا الحرص المشروع على المؤسسة لا ينبغي أن يقود — ولو دون قصد — إلى التقليل من أهمية الدور الرقابي للإعلام أو اختزال بعض التغطيات الصحفية في إطار «الإثارة» و«السبق الصحفي» فقط، لأن جزءًا مهمًا من وظيفة الصحافة هو طرح الأسئلة الصعبة، ومتابعة التفاصيل، وفتح الملفات التي تمسّ الناس بصورة مباشرة، خصوصًا في القضايا الصحية والخدمية.
فالصحافة، في جوهرها، ليست خصمًا للمؤسسات، كما أن المؤسسات ليست بالضرورة في مواجهة مع الإعلام. العلاقة الطبيعية بين الطرفين يجب أن تقوم على التكامل لا التصادم؛ فالإعلام المهني يسلّط الضوء على الخلل حين يوجد، والمؤسسة الناضجة تستفيد من النقد لتطوير أدواتها وتعزيز ثقة المجتمع بها.
وإذا كان بعض الطرح الإعلامي قد يقع أحيانًا في التسرع أو المبالغة، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن الرأي العام كان يبحث عن إجابات واضحة وسريعة ومطمئنة. فحين يغيب التدفق السريع للمعلومات الدقيقة، تزداد مساحة التأويل والاجتهاد والشائعات، وهذه ليست مشكلة الإعلام وحده، بل مسؤولية مشتركة تتطلب أعلى درجات الشفافية والوضوح.
كما أن ربط أي نقد يوجَّه للمرافق الخدمية أو الرقابية داخل الجامعة بمحاولة «الإساءة» للمؤسسة قد لا يكون دقيقًا دائمًا، لأن المؤسسات الكبرى تُبنى أساسًا على ثقافة المراجعة والتقييم المستمر، لا على الحساسية المفرطة تجاه النقد. والجامعة القوية ليست تلك التي لا تُنتقد، بل تلك التي تستطيع تحويل النقد إلى فرصة للمراجعة والتحسين واستعادة الثقة.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن القبول بأي محاولة للتقليل من أهمية الإعلام أو اختزال دوره المهني في إطار الإثارة أو البحث عن السبق فقط، لأن الإعلام الحر والمسؤول يشكّل أحد أهم أدوات الرقابة المجتمعية وحماية المصلحة العامة. وإن حدث أن أصبح مجرد طرح الأسئلة أو متابعة القضايا العامة يُنظر إليه باعتباره عبئًا أو تجاوزًا، فإننا نكون أمام مشكلة أخرى تستدعي التوقف والتأمل، لا سيما في ظل الحاجة المتزايدة إلى إعلام مهني يوازن بين المسؤولية والشفافية.
ومع ذلك، فإننا نقدّر حق الزميل الأستاذ الدكتور زهير الطاهات في الدفاع عن الجامعة التي ينتمي إليها وظيفيًا وأكاديميًا، ونتفهم حرصه على صورتها ومكانتها، لكن هذا الحرص يجب أن يبقى منسجمًا مع حق المجتمع في المعرفة، وحق الصحافة في المتابعة والنقد المهني المسؤول.
إن المجتمع الأردني، الذي يرى في اليرموك جامعة وطنية عزيزة، لا يريد الإساءة إليها، بل يريد الاطمئنان إلى أن صحة أبنائه وسلامتهم فوق أي اعتبار، وأن معايير الرقابة والمتابعة داخل المرافق الغذائية والخدمية تُطبّق بأعلى درجات الجدية والاستدامة، لا كرد فعل مؤقت على حادثة طارئة.
وفي هذا السياق، فإن المطلوب اليوم ليس الدخول في سجال بين الإعلام والمؤسسة الأكاديمية، ولا توزيع الاتهامات بين هذا الطرف أو ذاك، بل إنتاج حالة من الوعي المشترك تقوم على الاعتراف بأن حماية سمعة المؤسسات لا تكون عبر نفي القلق المجتمعي، كما أن المهنية الصحفية لا تكون عبر التهويل أو إصدار الأحكام المسبقة قبل اكتمال التحقيقات الرسمية.
فالجامعة ستبقى أكبر من أي حادثة عابرة، وأكثر ديمومة من أي مسؤول، والصحافة ستبقى شريكًا أساسيًا في حماية المجتمع وكشف الخلل، وليست صحافة تكتفي بنقل الخبر ، وبين الاثنين تبقى الحقيقة وحدها هي المساحة التي يجب أن نلتقي عندها جميعًا.
حفظ الله الأردن، وحمى أبناءه ومؤسساته الوطنية، لتبقى الجامعات منارات علم لا ساحات توتر، ويبقى الإعلام صوتًا للحقيقة لا أداة للخصومة.