كنانة نيوز –
الترانزيت يغيّر مساره عبر التنف.. فهل نراجع الكلف اللوجستية؟
الدكتور محمد حيدر محيلان
في الأشهر الأخيرة، بدأت أعداد متزايدة من الشاحنات المتجهة من سوريا ولبنان وتركيا نحو العراق والخليج تغيّر مسارها التقليدي عبر الأردن، وتتجه إلى ما يُعرف بممر التنف. هذه ليست إشاعة عابرة ولا نقاشاً افتراضياً على مواقع التواصل، بل واقع يلمسه العاملون في قطاع النقل والتخليص والخدمات اللوجستية.
المشكلة لا تكمن فقط في خسارة رسوم عبور، بل في خسارة حركة اقتصادية كاملة كانت تنعش قطاع النقل الأردني. فالشاحنة العابرة لا تدفع رسوم طريق فقط، بل تستهلك وقوداً، وتستخدم خدمات صيانة، وتتعامل مع مراكز تخليص ومستودعات ومطاعم واستراحات وفنادق وشركات تأمين واتصالات. وعندما تتحول آلاف الشاحنات إلى مسارات بديلة، فإن الأثر يظهر مباشرة على السوق المحلي وعلى العاملين في هذا القطاع.
المقلق أن بعض التجار وسائقي الشاحنات باتوا يفضّلون طريق التنف رغم أنه أطول وأصعب من الناحية التشغيلية. وهذا بحد ذاته مؤشر يستحق التوقف عنده بجدية، لأن التاجر لا يغامر ببضاعته عبثاً، بل يحسب الكلفة والوقت والإجراءات وسهولة الحركة.
هناك عدة أسباب دفعت جزءاً من حركة النقل إلى تغيير مسارها. أولها الكلفة التشغيلية المرتفعة، إذ يشكو كثير من العاملين في القطاع من ارتفاع الرسوم المرتبطة بالنقل والعبور والخدمات المختلفة مقارنة ببعض البدائل الإقليمية. وثانيها طول الإجراءات أحياناً على المعابر، وما يرافق ذلك من انتظار وتأخير ينعكس مباشرة على زمن التسليم وكلفة التشغيل.
كما أن بعض التجار يبحثون عن مسار يمنحهم مرونة أكبر وسرعة في الحركة، خصوصا مع البضائع المرتبطة بعقود زمنية أو مواد سريعة الدوران. وفي عالم النقل الحديث، قد تكون ساعات الانتظار أحيانا أكثر تكلفة من مئات الكيلومترات الإضافية.
ولا يمكن تجاهل عامل آخر يتحدث عنه العاملون في القطاع منذ سنوات، وهو تعدد الجهات والإجراءات والرسوم غير الواضحة أحياناً، الأمر الذي يخلق شعوراً لدى بعض الناقلين بأن كلفة المرور عبر الأردن لم تعد تنافسية كما كانت سابقاً. وهنا يجب أن يكون النقاش اقتصادياً ومهنياً بعيداً عن الانفعال أو التخوين، لأن الهدف ليس جلد الذات، بل معالجة الخلل قبل أن يتحول إلى واقع دائم.
الأردن يملك كل المقومات ليكون الممر الأكثر جذباً في المنطقة: موقع جغرافي محوري، شبكة طرق جيدة نسبياً، خبرة طويلة في النقل البري، واستقرار سياسي وأمني تفتقده كثير من المسارات الأخرى. لكن هذه المزايا وحدها لم تعد كافية إذا لم تُترجم إلى كلفة عادلة وسرعة إنجاز وكفاءة تشغيلية.
المرحلة الحالية تحتاج إلى مراجعة حقيقية لقطاع الترانزيت والنقل البري. المطلوب اليوم ليس فقط تحسين المعابر، بل إعادة بناء بيئة لوجستية تنافسية كاملة: رقمنة الإجراءات، تقليل زمن التخليص، مراجعة الرسوم، تطوير الخدمات على الطرق الدولية، وتقديم حوافز تعيد جذب حركة الشاحنات إلى المسار الأردني.
فالمنطقة كلها تتغير بسرعة، وخطوط التجارة تعيد رسم نفسها وفق المصالح والكلفة والسرعة. وإذا لم يتحرك قطاع النقل الأردني بعقلية تنافسية مرنة، فإن بعض المسارات البديلة قد تتحول من حلول مؤقتة إلى طرق دائمة، وعندها ستكون استعادة الحركة أصعب بكثير من الحفاظ عليها اليوم.