كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب :
الفيلةُ التي أكلتِ المواسم
في الحيِّ القديم، حيثُ البيوتُ متلاصقةٌ كأنّها تتساند خوفًا من السقوط، كان الناس يعرفون أخبار بعضهم من صوت السعال خلف الجدران، ومن رائحة العدس التي تتسلل عند الغروب.
هناك، في آخر الزقاق، كان مقهى “أبو العبد” يقف مثل شاهدٍ عجوز على زمنٍ لم يعد موجودًا.
مقهى صغير، تتدلّى من سقفه مروحةٌ تصدر أنينًا يشبه أنين موظفٍ حكومي في نهاية الشهر، وتتصاعد فيه رائحة القهوة الثقيلة والدخان والكلام الممنوع.
في ذلك المقهى، لم يكن الناس يتحدثون عن الطقس كثيرًا، بل عن الفيلة.
دائمًا عن الفيلة.
كانوا يقتربون من بعضهم حين يذكرون اسم الفيل الكبير، ويخفضون أصواتهم كما لو أنّ الجدران تعمل مخبرين عند الحكومة.
قال الحاجّ محمود وهو يحرّك مسبحته بعصبية:
— هذا الفيل لا يشبع.
ردّ عليه المعلم صبحي، بائع الكعك الذي صار يبيع نصف الكعكة بدلًا من كاملة:
— يشبع؟! يا رجل… هذا لو أكل البحر لطلب كأس ماء بعده.
فضحك الرجال بخوف، ثمّ التفتوا حولهم سريعًا.
في تلك البلاد، كان الضحك على الفيلة يحتاج إلى شجاعةٍ أكثر من حمل السلاح.
كان الفيل الكبير مختلفًا عن بقية الفيلة.
لم يكن يصرخ كثيرًا، ولا يهدد أحدًا علنًا، بل كان يربّت على أكتاف الناس بحنانٍ مدروس، ثمّ يأخذ منهم المحصول كاملًا.
كان يظهر في التلفاز مبتسمًا، يتحدث عن الصبر الوطني والظروف الصعبة، بينما كانت معدته تكبر أسرع من ميزانية الدولة.
كلّما زار قريةً فقيرة، صافح الفلاحين واحدًا واحدًا، ووعدهم بموسمٍ ذهبي.
ثمّ يعود رجاله ليلًا ليأخذوا الأرض نفسها بحجة الاستثمار.
وحين يحتجّ أحدهم، يقولون له بابتسامةٍ رسمية:
— اصبر… الوطن يمرّ بمرحلة دقيقة.
حتى صارت المرحلة الدقيقة أطول من أعمار الناس.
في الحارة، كان الأطفال يلعبون قرب الحفر التي وعدتهم البلدية بردمها منذ ثلاث حكومات.
وكانت أمّ حسن تجلس على باب بيتها المهترئ، تنظر إلى السماء كأنّها تنتظر عدالةً ضلّت الطريق.
زوجها مات قبل سنوات بعدما باع خاتم زواجه كي يدفع فاتورة الكهرباء، وابنها الكبير يعمل منذ الفجر حتى الليل، ومع ذلك لا يستطيع شراء حذاءٍ جديد لطفلته.
لكنّ التلفاز كان يقول كل مساء إنّ البلاد تعيش ازدهارًا اقتصاديًا غير مسبوق.
حتى إنّ أمّ حسن سألت ذات يوم:
— يمكن الازدهار ساكن بحيّ ثاني؟
فضحكت النساء طويلًا… ضحكة تشبه البكاء أكثر مما تشبه الفرح.
كانت الفيلة ذكية.
تعرف أنّ الجائع قد يغضب، لذلك كانت ترمي للناس بين الحين والآخر أكياسَ طحين وصورًا تذكارية وخطبًا طويلة عن الكرامة الوطنية.
وكان الفيل الكبير يحبّ السير بين الفقراء أمام الكاميرات.
يضع يده على كتف عجوزٍ متعب، ثمّ يبتسم كأنّه اكتشف الإنسانية لتوّه.
لكنّ العجوز نفسه كان يعود إلى بيته ليجد سعر الخبز قد ارتفع من جديد.
وفي المساء، يجلس الرجال في المقهى يحسبون كيف صار الراتب يذوب أسرع من قطعة ثلج في تموز.
قال أبو العبد ذات ليلة:
— زمان كانوا يسرقون الجيوب… اليوم يسرقون العمر نفسه.
ردّ آخر وهو ينفث دخان سيجارته الرخيصة:
— لا… العمر يتركونه لنا حتى ندفع الفواتير.
وفي الأحياء البعيدة عن العاصمة، كانت الحكاية أكثر قسوة.
حقولٌ جفّت، مصانع أُغلقت، وشبابٌ يحملون شهاداتٍ جامعية كما يحمل الجنود جثث رفاقهم.
كلّ شيء كان يُباع.
الميناء، الأرض، الهواء تقريبًا.
حتى الأشجار العتيقة عند أطراف المدينة قيل إنّها ستُقتلع لمشروعٍ استثماريّ ضخم يملكه قريبٌ لأحد الفيلة.
وحين غضب الناس، خرج متحدثٌ رسمي وقال بثقة:
— الأشجار لا تفهم متطلبات التنمية الحديثة.
ومن يومها، صار الناس يخافون أن يأتي يومٌ يُقال فيه إنّ البشر أنفسهم لا يفهمون متطلبات الحياة.
وفي الليل، حين تنطفئ ضوضاء المدينة، كانت الأحاديث الحقيقية تبدأ.
نساءٌ يهمسن فوق الأسطح عن الغلاء، ورجالٌ يتحدثون سرًا عن ثروات الفيلة التي تضخمت ككرشِ تاجرٍ جشع في زمن المجاعة، وشبابٌ يسألون لماذا صار الوطن يشبه شركةً خاصة لا يملكون فيها حتى حق السؤال.
لكنّ أحدًا لم يكن يجرؤ على الكلام بصوتٍ عالٍ.
فالحيطان — كما يقول العمّ جابر —
“لها آذان… وبعض الآذان تأكل أكثر من الأفواه.”
وذات صباح، مرّ الفيل الكبير في الحيّ بسيارته السوداء الطويلة.
أوقف الموكب فجأة، ونزل بابتسامته الشهيرة.
اقترب من طفلٍ حافي القدمين وربّت على رأسه أمام المصورين، ثمّ قال بصوتٍ أبويّ:
— هذا الطفل هو المستقبل.
لكنّ الطفل نفسه عاد مساءً إلى بيتٍ بلا تدفئة، وأكل خبزًا يابسًا وغفا على صوت أمّه وهي تحاول إخفاء بكائها.
أمّا الفيل، فقد ظهر في نشرة الأخبار يتحدث عن اهتمام الدولة بالإنسان.
ومع مرور السنوات، صار الناس يشبهون الظلال.
يمشون بسرعة، يتحدثون بخوف، ويضحكون نصف ضحكة فقط.
أمّا الفيلة، فقد ازدادت بدانةً ونفوذًا، حتى بدا الوطن كلّه كأنّه مائدةٌ ضخمة يجلسون حولها وحدهم.
وفي ليلةٍ باردة، عاد التيار الكهربائي للحارة بعد انقطاعٍ طويل، فخرج الناس إلى الشبابيك كأنّ النور معجزة.
حينها، قال الحاج محمود بصوتٍ متعب:
— الغريب ليس أنّ الفيلة أكلت المواسم…
الغريب أنّها ما زالت تطلب المزيد.
ساد الصمت.
ثمّ أطفأ الرجل سيجارته الرخيصة، وحدّق طويلًا في آخر الزقاق، حيث كان الفجر يحاول الدخول إلى الحيّ…
لكنّه، مثل الناس تمامًا، كان يجد الطريق مزدحمًا بالفيلة.