كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
حين يتبختر وجعُ الفقد على ضفاف الريف
————————————————-
في هذا الصباح، لم تكن الخريبة كما أعرفها…
كانت القرية الوادعة تُشبه امرأةً فقدت صوتها، واكتفت بأن تُلوّح بالصمت.
الطرقات الترابية ذاتها، أشجار التين ذاتها، وحتى نسيم الفجر الذي كان يُداعب الوجوه بحنوّ الأمهات… كلّ شيءٍ بدا غريبًا..حتى رائحة التين في الفجر باتت غريبة .. كأن روحًا ما غادرت المكان وتركت فراغًا لا يُرى… لكنه يُحَسّ.
في الريف، لا يبدأ الصباح بطلوع الشمس فقط،
بل يبدأ حين تتسلّل رائحة الطابون من البيوت الطينية،
حين تختلط رائحة الحطب المحترق بندى الحقول،
فتصير للهواء نكهةٌ تُؤكل… لا تُستنشق فقط..مثل تين طازج “أكلك ع.الندى يا تين”.
كنتُ أظنّ أن تلك الرائحة عادية،
لكنني أدرك اليوم أنها كانت وجهًا آخر للطمأنينة،
وأنها حين غابت… غاب معها شيءٌ من اتزان القلب.
الخالة…
لم تكن مجرّد امرأة في العائلة، كانت ظلّ أمٍ حين تغيب، وكانت دفءَ بيتٍ حين يبرد العالم.
اليوم، أفتقدها… لا كذكرى، بل كحضورٍ كان يُرتّب فوضى الأيام دون أن نشعر.
أعترف…
أنني كنتُ الابن المدلّل لفزّة،
فأنا، على أية حال، كنتُ رفيق سفرها أينما ذهبت.
ذات يومٍ، رحتُ معها إلى هناك… حيث الخريبة شمالًا،
أُغافلها ثم أركض نحو بيدر القمح،
تستهويني فكرة الركوب على ظهر لوح الدراسة الخشبي،
غير أن ثقوب اللوح الهندسية كانت تشغلني قليلًا…
وأسأل: لماذا كل هذه الثقوب؟
لا جواب…
فيما يواصل الحصان جرّ اللوح بهندسةٍ مرورية دائرية عجيبة،
كأن الزمن نفسه يدور… ولا يتقدّم.
لم أدرك يومًا أن الفقد بهذا العمق…
أن يتحوّل الإنسان إلى كائنٍ يتأمّل الفراغ، ويغوص في اللاوعي بحثًا عن ملامح صوتٍ، أو بقايا ضحكة، أو حتى رائحة خبزٍ كانت تخرج من تنور الطين كأنها صلاة.
تأخذني الذاكرة… إلى هنااااك…
حيث بيت الطين والقش،
حيث الباب الخشبي الذي كان يئنّ كلما فتحناه، كأنه يعلن قدومنا لها،
وحيث كانت الخالة تنتظر… لا لتسألنا أين كنّا، بل لتطمئن أننا عدنا.
كنتُ طفلًا…
أمدّ يدي الصغيرة لأنبش “خمّ الجاج” برفق،
أبحث عن دهشتي الأولى… عن بيضةٍ دافئة، تشبه اكتشافًا صغيرًا للحياة.
وكانت، في الجهة الأخرى من البيت، تُشعل الطابون،
تُرتّب الحطب كأنها تُرتّب نهارنا،
وتنفخ في النار برفقٍ أمومي،
حتى تشتعل الحياة… لا الحطب فقط.
كانت رائحة الخبز حين يخرج من الطابون
أشبه بوعدٍ يومي بأن العالم ما زال بخير.
كنا نلتفّ حولها، لا لنأكل فقط،
بل لنشعر أننا محاطون بشيءٍ أكبر من الجوع…
محاطون بالحب.
اليوم، أعود إلى ذات المكان…
أنبش الذاكرة بدل “خمّ الجاج”،
لكنني لا أجد سوى صمتٍ ثقيل،
ورائحةٍ خافتة، كأنها بقايا حكايةٍ لم تكتمل.
حتى الطابون… بدا باردًا،
كأنه يرفض أن يشتعل دونها.
في الخريبة…
تبدو الصباحات مختلفة حين يغيب من كانوا يصنعون معنا معنى الصباح.
لا الشمس ذاتها، ولا الضوء ذاته،
حتى العصافير… كأنها تُغنّي بنبرةٍ خافتة، احترامًا لغيابٍ لا يُعوّض.
والحقول الممتدة على مرمى البصر،
لم تعد تُشبه اتساعها القديم،
كأن الحنين ضيّقها… أو كأن القلب هو الذي لم يعد يتّسع.
الخالة الجميلة…
لم ترحل وحدها،
أخذت معها جزءًا من طفولتي، وركنًا من الطمأنينة، وشيئًا منّي لا أعرف كيف أسترده.
كانت… دائمة الابتسامة، دائمة الخُضرة،
كأن اسمها لم يكن صدفةً بل قدرًا يسري في ملامحها.
واللون الوردي لا يفارق وجنتيها،
كأن الحياة اختارت أن تستقر هناك، على طرفي ضحكتها.
لم تكن اسمًا فقط: خضرة أحمد قويدر الشرع،
ولم أكتفِ يومًا بأنها أختٌ لفزّة ومنظومة وأميرة وصبحة ونورة وزعيلة…
كانت أبعد من ذلك بكثير،
كانت حكاية بيتٍ كامل،
وكانت ظلّ شجرةٍ يستريح عندها العابرون دون أن يسألوا لمن تنتمي.
كانت تعرف كيف تُعيد ترتيب الفوضى بكلمة،
وكيف تُطفئ حرائق القلوب بلمسة،
وكيف تجعل من أبسط الأشياء… ذاكرةً لا تموت.
كانت… ببساطة، وطنًا صغيرًا حين يضيق الوطن.
وهكذا…
يمشي وجع الفقد متبخترًا على ضفاف الريف،
لا يستأذن، ولا يعتذر،
فقط يتركنا نُجيد الحنين… أكثر مما ينبغي،
ويعلّمنا، على مهلٍ،
أن بعض الغياب… لا يُعوَّض،
بل يُعاش.
تذييل..
الخريبة قرية في أقصى الشمال الأردني ، مطلة على حدود سوريا الجنوبية الغربية.