كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
قبل الاستحقاق الانتخابي… لماذا يُعاد تشكيل البلديات في الأردن؟
حين تُعاد صياغة المشهد المحلي بقراراتٍ إدارية، قبل أن يقول الناخب كلمته، لا يعود السؤال فقط: ماذا يحدث؟ بل لماذا الآن؟
في الأردن، حيث تُشكّل البلديات خط التماس الأول بين الدولة والمواطن، تأتي قرارات إعادة تشكيل وتعيين رؤساء لجان وأعضاء البلديات في توقيتٍ بالغ الحساسية، يسبق استحقاقًا انتخابيًا يُفترض أنه العنوان الأبرز لتجديد الشرعية المحلية. هنا، لا تبدو المسألة إجراءً إداريًا عابرًا بقدر ما تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق: هل نحن أمام ضرورة فرضتها اعتبارات الكفاءة والاستمرارية، أم أمام إعادة تموضع تُدار بعناية في مشهدٍ يُراد له أن يصل إلى صناديق الاقتراع بشكلٍ مختلف؟
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، أن “المؤقت” في التجربة الإدارية العربية كثيرًا ما يطول، حتى يكاد يُزاحم “الدائم” في حضوره وتأثيره. وحين تُدار البلديات عبر لجان مُعيّنة، فإن المسألة لا تتوقف عند حدود تسيير الأعمال، بل تمتد لتلامس جوهر العلاقة بين المواطن ومؤسساته: الثقة. تلك الثقة التي لا تُبنى فقط عبر الخدمات، بل عبر الإحساس العميق بأن الصوت الانتخابي ليس مجرد محطة شكلية، بل أداة حقيقية في صناعة القرار.
قد تكون هناك مبررات تُساق تحت عنوان الإصلاح أو تصويب الاختلالات، وربما هناك حاجة فعلية لإعادة ترتيب البيت البلدي قبل الدخول في سباق انتخابي. لكن ما يُربك الوعي العام ليس القرار بحد ذاته، بل توقيته، وسياقه، والرسالة التي يحملها ضمنيًا للشارع: هل ما زالت الانتخابات هي الفيصل، أم أن هناك ما يُعاد تشكيله قبل أن يبدأ السباق أصلًا؟
هنا، تتجه الأنظار مباشرة نحو وزارة الإدارة المحلية، بوصفها الجهة التي تُدير هذا الملف وتُمسك بخيوطه. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تُدار البلديات بعقلية “إدارة الأزمات”، أم بمنهجية إصلاح مستدام؟ لأن الفارق بينهما ليس شكليًا، بل جوهري. إدارة الأزمة تُنتج قرارات سريعة، غالبًا ما تُبرَّر بضرورات آنية، لكنها تترك أثرًا عميقًا على المدى البعيد. أما الإصلاح، فيحتاج إلى وضوح، وتدرّج، وثقة متبادلة بين القرار والمجتمع.
المشكلة لا تكمن فقط في قرار التعيين، بل في غياب السردية المقنعة التي تشرح للمواطن: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الطريقة؟ ولماذا قبل الانتخابات تحديدًا؟ ففي زمنٍ بات فيه الوعي العام أكثر حساسية تجاه التفاصيل، لم يعد كافيًا أن تُتخذ القرارات، بل بات مطلوبًا أن تُفهم، وأن تُقنع، وأن تُحترم في سياقها الديمقراطي.
إن وزارة الإدارة المحلية، وهي تُقدِم على هذه الخطوات، مطالبة بأن تُدرك أن البلديات ليست مجرد وحدات خدمية، بل هي مختبر يومي لثقة المواطن بالدولة. وأي اهتزاز في هذه الثقة، حتى وإن بدا محدودًا، ينعكس على مجمل العلاقة بين المواطن ومؤسساته. فحين يشعر الناس أن التعيين قد يسبق الاختيار، أو يُعيد رسم ملامحه، فإن ذلك لا يُضعف فقط حماسة المشاركة، بل يُعيد إنتاج فجوة صامتة بين الشارع وصنّاع القرار.
ثم إن إعادة التعيين، في ظل اقتراب الانتخابات، تطرح سؤالًا أكثر حساسية: هل نحن أمام تهيئة إدارية محايدة تضمن نزاهة المرحلة القادمة، أم أمام تدخل قد يُفهم—ولو على مستوى الانطباع—كإعادة ترتيب للبيئة التي ستُجرى فيها الانتخابات؟ وهنا تكمن الخطورة، لا في النوايا، بل في الأثر. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بما يحدث فعليًا، بل أيضًا بما يشعر به الناس تجاه ما يحدث.
وفي قلب هذا الجدل، يطفو السؤال الذي لا يمكن القفز عنه أو تمييعه: هل ما يجري هو ضرورة إدارية فعلية، أم أنه—بشكلٍ أو بآخر—إعادة توجيه للوعي الجمعي أو إلهاؤه عن جوهر الاستحقاق القادم؟ هنا، لا يعود النقاش تقنيًا حول كفاءة اللجان أو الحاجة للتدخل، بل يتحول إلى اختبار عميق لشفافية القرار. لأن الفارق بين “الضرورة” و“الإلهاء” ليس في النصوص، بل في السياق والتوقيت والانطباع العام. فإذا كانت الضرورة تُقاس بوضوح الأسباب ومحدودية الزمن وارتباطها المباشر بمصلحة الناس، فإن أي غموض يكتنف القرار، أو أي تزامن يثير الريبة مع اقتراب الانتخابات، يفتح الباب واسعًا أمام تأويلات قد لا تكون في صالح الثقة العامة. وهنا تحديدًا، يصبح واجب الجهة المعنية أن تُغلق هذا الباب لا بالصمت، بل بالمصارحة؛ لا بإدارة المشهد، بل بإقناع الناس بأن ما يحدث يُدار لأجلهم، لا بدلًا عنهم.
وفي قراءةٍ لا يمكن تجاهلها، تميل شريحة من المراقبين إلى تفسير ما يحدث داخل وزارة الإدارة المحلية بوصفه حالة من الارتباك الإداري أكثر منه مسارًا إصلاحيًا مكتمل الأركان؛ قرارات تتبدّل بوتيرة لافتة، ومعايير لا تبدو مُعلنة بما يكفي، ما يفتح الباب أمام انطباعٍ عام بأن التخطيط يجري أحيانًا بردّة فعل لا برؤيةٍ متماسكة. ومع التغييرات المتلاحقة على تركيبة اللجان، تتسع مساحة التساؤل: هل تحكم هذه التعيينات معايير مؤسسية شفافة، أم أنها تتقاطع—في نظر الشارع—مع اعتبارات العلاقات والاصطفافات المحلية؟ هنا تحديدًا، لا تكمن الإشكالية في النوايا بقدر ما تكمن في غياب الوضوح؛ فحين لا تُعلن المعايير، تتحول القرارات، مهما كانت مبرراتها، إلى مادةٍ للتأويل، وتصبح الثقة أول الخاسرين.
ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه وزارة الإدارة المحلية اليوم، ليس في إدارة البلديات مؤقتًا، بل في حماية فكرة “المؤقت” نفسها من أن تتحول إلى قاعدة. لأن التجارب السابقة، في المنطقة وخارجها، تُظهر أن التمدد غير المحسوب للحلول المؤقتة يترك أثرًا طويل الأمد على بنية الثقة، وعلى معنى المشاركة السياسية.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض البلديات كانت بحاجة فعلية إلى تدخل، وأن هناك اختلالات تستوجب المعالجة. لكن المعالجة، لكي تكون مقبولة، يجب أن تأتي ضمن إطار واضح، مُعلن، ومحدد بزمن، ويُفضي في النهاية إلى إعادة السلطة إلى صاحبها الطبيعي: المواطن. غير ذلك، تبقى القرارات، مهما كانت نواياها، عُرضة للتأويل، وتبقى الثقة مُعلّقة بين ما يُقال وما يُفهم.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمجالس بلدية تُحلّ أو تُعيَّن، بل بفكرة أعمق: كيف نُدير انتقالاتنا الديمقراطية؟ وهل نثق حقًا بأن صناديق الاقتراع قادرة على تصحيح المسار، أم أننا نُفضّل أن نُعيد رسم الطريق قبل أن يصل إليها الناخب؟
بين هذا وذاك، يقف المواطن الأردني، ليس رافضًا ولا مُسلّمًا، بل مُراقبًا. يقرأ التفاصيل، يُقارن التوقيت، ويُعيد طرح السؤال البسيط الذي يُلخّص كل شيء: إذا كانت الانتخابات قريبة… فلماذا تبدو القرارات وكأنها سبقتها إلى رسم ملامحها؟