كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
من شرفة المقهى… إربد القديمة كما تروي نفسها
ها أنذا أجلس على شرفة مقهى الكمال في قلب إربد القديمة، عند تقاطع شارع الهاشمي مع شارع الحب، حيث تبدو المدينة وكأنها تقف كل صباح أمام مرآتها. من هنا، لا أحتاج إلى ساعة لأعرف الوقت، فحركة الناس هي عقارب المكان، وضجيج السيارات هو نبضه اليومي، والوجوه العابرة هي فصول رواية لا تنتهي.
السيارات تروح وتجيء بلا انقطاع، تتشابك أصوات أبواقها مع نداءات الباعة، بينما الأرصفة تمتلئ بخطوات الباحثين عن رزق أو موعد أو ذكرى. وسط البلد في إربد ليس مجرد مركز تجاري، بل ذاكرة تمشي على قدميها، وكل حجر فيه يعرف أسماء الذين مروا من هنا منذ عشرات السنين.
أمام المحال، تفرد الأقمشة ألوانها كما لو أنها تحتفل بالحياة. أثواب مطرزة، وأقمشة قطنية، ولفائف حرير تتراقص مع نسمة عابرة، تستدرج المارة للتوقف. غير أن الفقر يمر هو الآخر من هنا دون أن يلفت انتباه أحد. للفقر لغة لا يقرأ حروفها إلا الباعة القدامى؛ يعرفونها من عين تتردد طويلًا أمام قطعة قماش، ومن يد تمتد لتتحسس النسيج ثم تعود إلى الجيب خالية، ومن ابتسامة خجولة تخفي عجزًا عن الشراء أكثر مما تخفي رغبة فيه. في هذا المكان، لا يُقاس البيع بحجم الأرباح، بل بقدرة البائع على أن يحفظ كرامة زبونه، وأن يترك له باب الأمل مفتوحًا، ولو بابتسامة صادقة.
في هذه اللحظة، يرفع النادل رجب رأسه نحوي، ويرمقني بنظرة فيها ألفة قديمة، كأنها جاءت محمّلة بنكهة حي السيدة زينب في القاهرة، حيث للمقاهي طقوسها، وللوجوه حكاياتها، وللصمت معنى لا يحتاج إلى تفسير. يلتقط بعينيه لفافة تبغي المصنّعة محليًا الموضوعة إلى جوار فنجان القهوة، فيبتسم ابتسامة العارف بمزاج زبائنه. رجب لا يسأل كثيرًا، فقد صار يعرف ما الذي يليق بكل لحظة. يمد يده إلى جهاز التسجيل، ويرفع صوت الأغنية قليلًا، لتنساب كلماتها بين ضجيج السيارات وهمسات العابرين: “صعبان عليّ جفاك…”. للحظة، بدا المشهد كله وكأنه استسلم للموسيقى؛ حتى شارع الهاشمي خفّ ضجيجه، وأخذت إربد القديمة تبدو أقرب إلى مدينة تعرف أن أغنية واحدة قد توقظ ذاكرة مدينة كاملة.
وأنا أرتشف قهوتي، أتأمل المباني التي تحيط بالمكان. بعضها قاوم الزمن، وبعضها استسلم لتجاعيد السنين، لكنها جميعًا تشترك في أمر واحد؛ أنها ما تزال تحفظ أصوات الذين سكنوها، وضحكات الأطفال التي كانت تتردد بين الأزقة القديمة.
وقبالتي تمامًا يقف مقر حزب البعث – جناح العراق. يبدو المبنى وكأنه خرج من زمن آخر، تتكئ جدرانه على صبر طويل، وتعلو واجهته ملامح غربة لا تخطئها العين. أما نوافذه، فيسكنها حزن كربلائي عميق، حزن لا يخص السياسة بقدر ما يخص الذاكرة، ويخص المدن التي حملت أوجاع التاريخ فوق أكتافها. كلما وقع بصري على ذلك المبنى، شعرت أنه يروي بصمت ما عجزت عنه الخطب والبيانات، وأن للأمكنة قدرة غريبة على الاحتفاظ بأسرار من مروا بها ثم غابوا.