كنانة نيوز –
عدنان نصّار : خمسون عيدًا عند النافذة
في ذلك الحيّ العتيق، حيث الأزقة ضيّقة كأنها خُلقت لتكتم الأسرار لا لتكشفها، كان بيت صغير يستند إلى جدارٍ متعب، كجسد شيخ أنهكته السنون، لكنه ما زال واقفًا بالعناد نفسه الذي يرفض السقوط.
في هذا البيت، كانت أمّ تعيش على مهل الزمن. لا تستعجله ولا يجرؤ على استعجالها، كأن بينهما اتفاقًا صامتًا: أن يمرّ دون أن يلمس القلب كثيرًا… إلا في نقطة واحدة، تلك النافذة.
نافذة خشبية قديمة، تآكل لونها، لكنها بقيت مفتوحة على طريقٍ لا يعود منه أحد.
في صباحٍ بدا عاديًا أكثر من اللازم، كان الهواء باردًا، ورائحة الخبز تتسلل من تنور الجيران. كانت الأم تعجن ما تبقّى من الطحين بيدين أنهكهما الانتظار، وفي الزاوية مذياع قديم يئنّ بصوت متقطع، كأنه يتذكر ولا يريد أن ينسى.
دخل ابنها.
شاب في مقتبل العمر، في عينيه ذلك اللمعان الذي يشبه استعجال الحياة قبل أن تخذله. وقف لحظة عند الباب، كأنه يتأكد أن العالم ما زال كما هو، ثم قال ببساطة:
— يمّه… رايح أجيب خبز وبرجع بعد شوي.
لم تكن الجملة ثقيلة يومها. كانت عادية، مثل أي صباح فقير.
رفعت الأم رأسها، نظرت إليه طويلًا، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
— لا تتأخر… الفطور بارد.
خرج.
وأغلق الباب خلفه نصف إغلاق… كأنه ترك احتمال العودة مفتوحًا.
لكن الاحتمالات في هذا العالم ليست رحيمة دائمًا.
مرّ النهار الأول، ثم الثاني، ثم بدأت الأيام تتشابه كأنها تُنسخ من بعضها دون رحمة.
في البداية قالت الجارات:
— الشباب يتأخرون… الطريق طويل.
ثم قالت المدينة:
— ربما شغل… ربما سفر.
ثم صمت الجميع.
إلا الأم.
هي وحدها لم تُوقّع على الغياب.
كانت كل صباح تفتح النافذة نفسها، تزيح الستارة القديمة، وتحدّق في آخر الزقاق، كأنها تنتظر أن يظهر من العدم، يحمل كيس الخبز، ويضحك:
— تأخرت عليكي يمّه؟
لكن الزقاق كان يعود فارغًا، كأنه يرفض الاعتراف بما حدث.
كبرت السنوات دون أن تستأذن أحدًا.
ثم جاءت الحرب.
لم تدخل من بابٍ واضح، بل تسللت كريحٍ سوداء، غيّرت أسماء الشوارع، وابتلعت وجوهًا، وتركت خلفها أسئلة لا جواب لها.
قالوا إن الشباب ذهبوا إلى الجبهات.
وقالوا إن بعضهم لم يعد.
لكن الأم لم تكن من الذين “يقولون”. كانت من الذين “ينتظرون”.
كانت تُعدّ العيد كل عام كما لو أنه موعد مؤجل للعودة. تضع فنجانًا إضافيًا، وتخبز رغيفًا زائدًا، وتقول لنفسها بصوت خافت:
— يمكن اليوم يرجع… العيد بحب اللي تأخروا.
ومع كل عيد، كانت تشعر أن الزمن يمرّ من حولها فقط، لا فيها.
خمسون عيدًا مرّوا.
البيت كبر في الصمت، والجدران تشققت كأنها تحفظ ما لا يُقال، والنافذة بقيت هي نفسها… لا تشيخ، لكنها تتعب.
وفي أحد المساءات، كان الشتاء قاسيًا أكثر من المعتاد. بردٌ يتسلل إلى العظم، وسماء رمادية كأنها فقدت ذاكرتها.
مدّت الأم يدها المرتجفة نحو المذياع القديم. قلبت المفتاح بصعوبة، فخرج صوت بعيد متهدّج، يحمل أغنية من زمن آخر:
«عشرين مرة إجا وراح التلج…
وأنا صرت أكبر… وشادي بعده صغير…
عم يلعب عالتلج…»
توقفت لحظة.
كأن الاسم خرج من المذياع لا من الأغنية.
رفعت رأسها ببطء، كأنها ترى ابنها للمرة الأولى منذ سنوات.
شادي…
لكن شادي لم يكن طفلًا في ذاكرتها. كان شابًا خرج يومًا ليشتري الخبز.
جلست قرب النافذة.
الخارج كان أبيض من البرد، أو رماديًا من النسيان.
همست:
— بعده صغير… ما كبر.
ثم صمتت طويلًا، كأن الزمن نفسه توقف عند تلك الجملة.
مرت الحرب بجوار الحيّ، كما تمرّ كل الحروب: تترك ما يكفي من الدمار كي لا يُنسى شيء، وما يكفي من الصمت كي لا يُقال شيء.
وفي مساءٍ آخر، سُمعت أصوات بعيدة، لا يُعرف إن كانت رعدًا أم وداعًا متأخرًا. اقتربت الأم من النافذة أكثر. الزقاق لم يعد كما كان. البيوت نصف صامتة، والأبواب موصدة كأنها تحرس غيابًا جماعيًا.
همست:
— يمكن اليوم… العيد ما بيجي لحاله.
لكن العيد لم يأتِ.
وجاء بدلًا منه خبرٌ ثقيل، مرّ في الهواء قبل أن يُقال: أن الحرب أخذت من أخذت، وأن أسماء كثيرة صارت بلا عودة.
لم تسأل.
لم تكن تحتاج سؤالًا.
في تلك الليلة، جلست قرب المذياع مرة أخرى، لكن الصوت كان متداخلًا، كأن الأغنية نفسها تختنق في صدر الزمن.
رفعت عينيها نحو النافذة.
ورأت ما يشبه ظلًا بعيدًا… أو ربما لم ترَ شيئًا.
قالت بصوت خافت:
— تأخرت كثير يا ابني… الخبز برد.
وفي الصباح، كانت النافذة مفتوحة كما هي دائمًا.
لكن الأم لم تكن هناك.
قال الجيران إن قلبها توقف بهدوء، كأنها كانت تنتظر هذا الصمت منذ خمسين عيدًا.
أما الزقاق، فظلّ كما هو… يمرّ فيه الناس ولا ينتبهون أن في زاوية صغيرة، كانت هناك أمٌّ انتظرت ابنها الذي خرج ليشتري الخبز… وظلّت تفتح الباب للعمر كله.
وقيل لاحقًا، إن أحدهم في صباحٍ باكر، رأى شابًا يحمل أرغفة دافئة، يقف طويلًا أمام البيت العتيق، ثم يضعها على العتبة بصمت… كأنه أخيرًا تذكّر الطريق.