كنانة نيوز –
طيبات العوضي… بين التجربة الشعبية والحسم العلمي
د. محمد حيدر محيلان
خلال الاشهر الأخيرة، تحول اسم “طيبات العوضي” إلى واحدة من أكثر الظواهر الصحية والإعلامية إثارةً للجدل في العالم العربي. فبين مؤيدٍ يرى فيه صاحب مشروع غذائي مختلف، ومعارضٍ يعتبر بعض أطروحاته خروجًا على التوصيات الطبية السائدة، حتى ظل كثير من الناس في حالة حيرة بين التجربة الشخصية والحسم العلمي.
المستشار الدكتور العوضي قدّم خطابًا غذائيًا مختلفًا عمّا اعتاده الناس لعقود. تحدث عن السكر، والقمح، والصيام، والأطعمة الطبيعية، وربط الغذاء بالأمراض المزمنة ونمط الحياة الحديثة. وقد دفعت طريقته المباشرة وثقته الكبيرة آلاف الناس إلى تجربة برامجه الغذائية، فيما أعلن بعض متابعيه تحسنًا في مؤشراتهم الصحية أو في أسلوب حياتهم اليومي.
في المقابل، حذر عدد من الأطباء وخبراء التغذية من بعض ما يطرحه، معتبرين أن تعميم وصفات غذائية بصورة واسعة دون ضوابط علمية قد يقود بعض المرضى إلى ممارسات غير آمنة أو إلى إهمال المتابعة الطبية والعلاجية التي تعود بعواقب كارثية على المرضى. وهذا اعتراض منطقي، لأن صحة الإنسان لا ينبغي أن تتحول إلى مجال للتجريب المفتوح أو التأثير الإعلامي غير المنضبط.
لكن اللافت أن جزءًا من الجدل لم يركز على مناقشة أفكاره علميًا بقدر ما انشغل بشخصه وأسلوبه وحتى عاداته الخاصة كالتدخين (الذي يعتبره هو من عاداته السلبية)، وكأن إسقاط الشخص يكفي لإسقاط الفكرة. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل تُناقش القضايا الصحية بالحجة والدراسة والتجربة، أم بالانفعال والسخرية؟
العلم بطبيعته لا يعرف الحقائق المطلقة. فكثير من النظريات الغذائية والطبية تغيّرت مع الزمن، وبعض ما كان يُعتبر مسلمات قبل عقود جرى تعديله أو التراجع عن أجزاء منه مع تطور الأبحاث. وهذا لا يعني أن كل ما يقوله العوضي صحيح، كما لا يعني أن كل ما يقوله خصومه صحيح بالضرورة.
المشكلة أن القضية تحولت إلى معركة جماهيرية؛ مؤيدون يرفعون الرجل إلى مرتبة المنقذ، ومعارضون يتعاملون معه بوصفه خطرًا مطلقًا، بينما غابت المساحة الأهم: مساحة البحث العلمي المحايد. فالناس لا تحتاج إلى صراع إضافي بقدر حاجتها إلى إجابات واضحة ومطمئنة تستند إلى نتائج قابلة للقياس والتحقق.
ولعل النقطة الأهم أن الرد الحقيقي على مثل هذه الطروحات لا يكون بالغضب أو السخرية، بل بالدراسات السريرية والتحاليل المخبرية والتجارب العلمية المستقلة. فإذا كانت فرضياته خاطئة فستكشفها النتائج، وإذا كان في بعض ما يطرحه جانب يستحق الدراسة فمن حق المجتمع أن يعرفه بوضوح وتجرد.
إن تشكيل لجان علمية مستقلة لدراسة مثل هذه الظواهر ليس دفاعًا عن شخص، بل دفاع عن حق الناس في المعرفة هو حاجة ملحة . فالعلم الحقيقي لا يخشى الأسئلة، بل يختبرها بهدوء ثم يُبقي ما تثبته الأدلة ويُسقط ما تعجز النتائج عن دعمه.
وفي النهاية، لا تُحسم القضايا الصحية بعدد المتابعين ولا بضجيج مواقع التواصل، بل بالبحث العلمي الرصين القادر على حماية الإنسان من الوهم… ومن التعصب في الوقت نفسه.
