كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
شارع السينما في إربد… حين ابتلعت الحداثة “سينما الزهراء” وحوّلت الذاكرة إلى واجهات بلا روح
في إربد العتيقة، لا تمشي في الشارع بقدر ما تمشي في الذاكرة. هناك، حيث تتقاطع الأزقة كما تتقاطع الحكايات، وحيث الأرصفة لا تزال تحتفظ بأثر خطواتٍ مرّت منذ زمنٍ لم يعد يُقال عنه “بعيد”، بل “قديم بما يكفي ليصبح جزءًا من الروح”.
كان شارع السينما في قلب هذه الذاكرة، ليس مجرد شارع، بل وعدًا صغيرًا بالدهشة. كان الناس يأتونه كما يأتون إلى فسحة مؤجلة من الحياة، إلى لحظة يمكن فيها للعالم أن يتوقف قليلًا، ويجلس في مقعد مظلم أمام شاشة كبيرة تروي ما لا تقوله الأيام.
في منتصفه تمامًا، كانت تقف سينما الزهراء، كأنها قلب الشارع الذي لم يتوقف عن النبض يومًا. ليست مبنى فقط، بل ذاكرة مدينة كاملة. هناك كان يُقال ببساطة: “نلتقي عند السينما”، وكأن الاسم وحده يكفي ليجمع الناس دون تفاصيل، ودون أسئلة إضافية.
داخل الزهراء، لم يكن الفيلم هو الحدث الوحيد، بل الاجتماع نفسه. الطالب الذي يهرب من امتحان ثقيل، والعامل الذي يسرق ساعتين من التعب، والعاشق الذي يجد في الظلام مساحة لاعتراف لا يجرؤ على قوله في الضوء. كان الظلام هناك ليس غيابًا للرؤية، بل طريقة أخرى لرؤية العالم. وكانت الضحكات جماعية، والصمت جماعيًا، وحتى الدهشة كانت تشبه اتفاقًا غير مكتوب بين غرباء خرجوا وهم يشعرون أنهم التقوا فعلًا.
لكن الزمن، كما يفعل دائمًا حين لا يُعلن عن نفسه، لم يأتِ كصدمة، بل كتحوّل هادئ. تغيّرت المدينة، تغيّرت العادات، وتحوّل شارع السينما من مساحة للحكاية إلى مساحة للاستهلاك السريع. أُغلقت أبواب كثيرة، وفتحت أبواب أخرى، لكن بلا ذلك الدفء القديم الذي كان يجعل للمكان روحًا لا تُرى لكنها تُحس.
ومع مرور الوقت، بدأت سينما الزهراء تخسر جمهورها، لا لأنها فقدت قيمتها، بل لأن المدينة فقدت صبرها على الانتظار. ثم جاء التحوّل الأخير، حين لم تعد الزهراء سينما أصلًا. لم يعد الظلام فيها يفتح عالماً، ولا المقاعد تحفظ ذاكرة مشاهدة. تحولت إلى محلات متجاورة، واجهات زجاجية باردة، وبضائع تمر دون أن تترك أثرًا. محلات تفتح وتغلق كأنها تمرين يومي على النسيان، وكأن المكان نفسه يُعاد تعريفه ليصبح بلا ذاكرة.
ومع ذلك، لم يختفِ الشارع. إربد العتيقة لا تنسى بسهولة، لأنها ليست حجارة فقط، بل طبقات بشر تراكمت فوق بعضها. في كل زاوية هناك ضحكة قديمة، أو موعد لم يكتمل، أو حلم مرّ ثم تأخر. وحتى الجدران تبدو وكأنها ما زالت تحتفظ بما قيل أمامها يومًا، دون أن تبوح به.
وفي الليل، حين يهدأ كل شيء، يعود شارع السينما إلى نفسه قليلًا، ليس كما كان، بل كما يتذكر أنه كان. تمرّ نسمة خفيفة كأنها تقلب صفحات ذاكرة قديمة، ويقف بعض من عاشوا زمنه الأول عند أطرافه دون كلام كثير، فقط نظرات طويلة تكفي لفهم ما لا يُقال. هناك من يهمس بصوت خافت: هنا كنا ننتظر الضوء، لا البضاعة. جملة بسيطة لكنها تلخص زمنًا كاملًا تغيّر دون أن يستأذن أحدًا.
ثم عند تقاطع الشارع، يقف صالون عتيق، بابُه الخشبي نصف مفتوح، ومرآته التي شهدت وجوهًا كثيرة لم تعد تمرّ من هنا كما كانت. رائحة الماء الدافئ والموسى تختلط برائحة الزمن نفسه، وكأن المكان لم يقرر بعد إن كان حاضرًا أم ماضيًا. من الداخل يرفع الحلاق رأسه، رياض، يناديني بصوت أعرفه منذ زمن، صوت لا يزال يحتفظ بصدق البداية رغم كل ما تغير حوله: “عدنان… اكتب عن هذا الشارع وذاكرته.”
أتوقف لحظة. ليس لأن الجملة مفاجئة، بل لأنها تشبه ما كان يتحرك داخلي دون أن يُقال. أجيب بصمت لا يشبه الرفض ولا يشبه الوعد، لأن بعض الطلبات لا تحتاج إجابة فورية، بل تحتاج أن تتحول إلى كتابة.
في الخارج، يمر جيل جديد بسرعة، يحمل العالم في شاشة صغيرة، ويظن أن كل الحكايات يمكن اختصارها في دقائق. لا يعرف أن هذا الشارع كان يومًا يعلّم الناس كيف ينتظرون، وكيف يجلسون معًا في الظلام دون خوف، وكيف يخرجون من قصة ليست قصتهم لكنهم يشعرون أنها تشبههم.
إربد العتيقة اليوم ما زالت هنا، لكن صوتها أخفت، وذاكرتها أكثر خجلًا. ومع ذلك، هناك حقيقة لا تتغير: أن المدن لا تموت دفعة واحدة، بل تُطفأ قطعة قطعة، كما تُطفأ سينما قديمة حين يُسدل الستار الأخير دون إعلان، لكنها تظل معلّقة في الذاكرة أكثر مما تظل في المكان.
شارع السينما ليس مجرد شارع تغيّر، بل شاهد على تحوّل المدينة من حكاية إلى واجهة، ومن دفء إلى زجاج، ومن لقاء إلى مرور سريع. ومع ذلك، حين تمرّ هناك في مساء هادئ، قد تشعر أن سينما الزهراء لم تُغلق تمامًا، بل اكتفت بأن تغيّر شكلها، وتركت الضوء يعيش في ذاكرة من مرّوا منها، ولم ينسوا.
