كنانة نيوز –
التسلق السياسي في الحالة الأردنية… حين يغيب المبدأ
عدنان نصّار
لا تكمن الأزمة في تعدد الآراء أو اختلاف المواقف السياسية، فذلك يمثل حالة صحية في أي مجتمع يسعى إلى التطور والإصلاح. لكن الإشكالية الحقيقية تظهر عندما يتحول العمل السياسي إلى وسيلة للبحث عن المناصب، ويصبح تبدل المواقف أداة للتقرب من مراكز القرار، بعيدًا عن القناعة أو المصلحة الوطنية.
ومع كل مرحلة سياسية جديدة، يبرز من يغيّر خطابه وفقًا لاتجاه الريح، لا وفقًا لقراءة موضوعية للواقع. فمن كان بالأمس ناقدًا شرسًا، يصبح اليوم أكثر المدافعين، ومن كان يرفع شعارات الإصلاح يتحول إلى أول المصفقين، وكأن المبادئ ليست سوى شعارات مؤقتة تُرفع عندما تخدم المصالح، وتُخفى عندما تعيق طريق الوصول إلى المنصب.
إن أخطر ما في النفاق السياسي أنه لا يسيء إلى الأشخاص بقدر ما يسيء إلى الدولة ومؤسساتها، لأنه يضعف ثقة المواطن بالحياة العامة، ويخلق انطباعًا بأن الكفاءة والنزاهة لم تعدا الطريق إلى المسؤولية، وأن العلاقات الشخصية والتزلف والقدرة على تبديل المواقف أصبحت مفاتيح الصعود في السلم السياسي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية قراءة الوجوه والنوايا قبل منح الثقة أو إسناد المسؤوليات. فالسياسة ليست مجرد خطابات منمقة أو حضور إعلامي، بل هي معرفة عميقة بالشخصية الجوانية للإنسان، ومدى ثباته على المبادئ عند الاختبار. فقراءة الملامح النفسية والسلوك العملي والتاريخ الشخصي، تكشف في كثير من الأحيان ما لا تقوله الكلمات، وتساعد في التمييز بين رجل الدولة الحقيقي، وبين الباحث عن فرصة عابرة للتسلق. فحسن اختيار القيادات يبدأ من القدرة على قراءة الإنسان قبل قراءة خطابه.
إن الأردن، وهو يمضي في مسار التحديث السياسي والإداري، بحاجة إلى قيادات تؤمن بأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن المسؤولية العامة أمانة وليست مكسبًا شخصيًا. كما يحتاج إلى معايير واضحة تقوم على الكفاءة والنزاهة والخبرة، بعيدًا عن ثقافة الولاءات المؤقتة أو صناعة الواجهات السياسية.
فالدول لا تنهض بكثرة المصفقين، وإنما تنهض بأصحاب الرأي الصادق، وبالشخصيات التي تمتلك الشجاعة في قول الحقيقة، حتى وإن كانت مخالفة لرغبات أصحاب النفوذ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء المتسلقين مهما بلغت مناصبهم، لكنه يخلّد أولئك الذين ظلوا أوفياء لمبادئهم، وجعلوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في الحالة الأردنية: هل تنجح مسيرة التحديث في ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على الكفاءة والاستحقاق، أم تبقى الأبواب مفتوحة أمام من يجيدون تبديل الأقنعة كلما اقتربت فرصة جديدة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل الحياة السياسية، ومستوى ثقة الأردنيين بمؤسسات دولتهم في السنوات القادمة.