كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب : الرشيد… حين كانت إربد تمشي على مهل
إستهلال ..فصل إستذكاري لمقدمة رواية..
أسرع خُطاي كلما اقتربت من شارع الرشيد، لا لأن الطريق أقصر من سواه، بل لأن الذاكرة تعرف الطريق أكثر مما تعرفه قدماي. هناك، في قلب إربد القديمة، لا أمشي بين محالّ ودكاكين، بل بين سنواتٍ كاملة ما زالت معلقة على أبوابٍ خشبية، ونوافذ مطلية بالأخضر، وأرصفةٍ تحفظ أسماء الذين مرّوا منها ثم غابوا، فيما بقيت حكاياتهم تنبض في المكان.
في سبعينات القرن الماضي، لم يكن شارع الرشيد مجرد شارع يعبره الناس، بل كان قلب المدينة النابض. كانت الحياة تسير فيه على مهل، كما لو أن الزمن نفسه يجلس على أحد أرصفته، يراقب الوجوه ويبتسم للعابرين. لم تكن العلاقات تُقاس بسرعة الخطى، بل بعدد السلامات، وطول الوقفات، والقدرة على الإصغاء لحكاية تبدأ أمام دكان، ولا تنتهي إلا عند آخر النهار.
كان دكان أبي ياسين الشختوري أكثر من محلٍّ صغير. كان محطةً للوجوه المألوفة، وملتقىً للأحاديث التي تبدأ بالسؤال عن الحال، وتنتهي بأخبار المدينة. وعلى مقربة منه، كان متجر أبي حامد، ببوابته الخشبية الصغيرة، يقف شاهدًا على حكاية رجل جاء من الشام ليستقر في إربد، حتى صار واحدًا من ملامحها. لم يكن المكان يحتضن الغرباء فحسب، بل كان يمنحهم، مع الأيام، حق الانتماء.
ومن مخبز بيسان، كانت رائحة الخبز الساخن تسبق المارة. لم تكن رائحةً للجوع، بل للطمأنينة. كان الرغيف الخارج لتوّه من الفرن يشبه صباحات المدينة؛ بسيطًا، دافئًا، وصادقًا.
وحين يميل النهار نحو العصر، تبدأ إربد في ارتداء وجهها الآخر. سيدات الحي يجلسن على العشب في الساحة الترابية، يتبادلن أخبار البيوت والأبناء، فيتحول المكان إلى مجلسٍ مفتوح، مثل برلمان لا سقف لحدود حواراته ؛ بلا جدران ولا مواعيد.
وقبل الغروب بقليل، كانت صبايا الحي يخرجن بخطوات واثقة، لا يلاحقن موعدًا، ولا يبحثن عن شيء سوى أن يمشين بمحاذاة أحلامهن الصغيرة. كانت بناطيل «الفيزون» على بعضهن، والتنانير القصيرة على بعضهن الآخر، تعكس أناقة ذلك الزمن كما تعكس وقاره. لم تكن المظاهر يومها صاخبة، بل كانت البساطة نفسها عنوانًا للأناقة، وكانت الهيبة تسكن التفاصيل الصغيرة أكثر مما تسكن المظاهر.
وفي تلك الساعة تحديدًا، كانت نافذة خشبية مطلية بالأخضر تُفتح بهدوء، فينساب منها صوت الراديو، كأنه يعرف موعده اليومي مع شارع الرشيد. كان محمد عبد المطلب يملأ الأجواء بصوته الدافئ، ويردد: «السبت فات والحد فات…»، فتلتقطها الأزقة قبل الآذان، ويواصل الشارع يومه كأن الأغنية واحدة من سكانه القدامى. لم يكن الراديو مجرد جهاز في نافذة بيت، بل كان نافذة الشارع كله على العالم، يشارك الناس أفراحهم الصغيرة، ويؤنس أصحاب الدكاكين، ويمنح المارة إيقاعًا خفيًا لخطواتهم.
في لحظات كهذه، كنت أشعر أن الشارع لا يُرى بالعين وحدها، بل يُستعاد من الداخل. أسرع خُطاي إلى هناك، أتأمل مشهد إربد القديمة، وأستعيد رصيدًا فائضًا من ذكريات الرشيد، كأنني لا أمشي في شارع واحد، بل أعبر طبقاتٍ من الزمن، تحمل كل واحدة منها وجهًا أعرفه، أو رائحة خبز، أو ضحكةً عابرة، أو أغنيةً ما زالت تقيم في القلب.
وفي طرف المشهد، كانت البركة القديمة تستقر بهدوء، كأنها رئة المدينة. لم تكن مجرد بركة ماء، بل جزءًا من ذاكرة المكان. ثم جاءت الحداثة، ورحل المشهد الذي ألفناه، ليقوم مكانه مجمع الأغوار للسفريات. تغيرت الصورة، لكن الذاكرة بقيت تحتفظ بانعكاس الماء أكثر مما احتفظت بالإسمنت.
وكان للشارع، مثل كل المدن القديمة، أساطيره الجميلة. ومن بينها حكاية الشيخ صالح كفريوبا، الذي تناقل الناس رواية تقول إن سارية علم كُتب عليها اسم الجلالة رفعته عن الأرض. لم يكن أحد يبحث عن برهان، فالحكايات الشعبية لا تُقاس بميزان الحقيقة، بل بما تتركه من رهبة ومحبة في وجدان الناس.
اليوم، كلما عدت إلى شارع الرشيد، أدرك أن الأمكنة لا تعيش بحجارتها، بل بمن مروا فيها. دكان أبي ياسين، وبوابة أبي حامد، ومخبز بيسان، والساحة الترابية، والنافذة الخضراء، وصوت محمد عبد المطلب، والبركة التي غابت… كلها لم تعد مجرد تفاصيل، بل أصبحت صفحات من سيرة إربد.
أغادر شارع الرشيد ببطء، لا لأن المسافة تطول، بل لأن الذاكرة ترفض أن تغادر قبلي. وألتفت وراءي، فأدرك أن المدن لا تحفظها خرائطها، ولا شوارعها وحدها، بل تحفظها ذاكرة أهلها. لذلك سيبقى شارع الرشيد، بالنسبة إليّ، أكثر من شارع… سيبقى القلب الذي كانت إربد تمشي على إيقاعه، على مهل..قلب نابض بذاكرة مدينة تغفو قليلا ؛ لكنها لا تنام .
تذييل:(إربد ؛مدينة أردنية شمال العاصمة عمان ..وهي إحدى مدن تحالف الديكابولس الروماني؛ وكانت تسمى آرابيلا)