كنانة نيوز –
عدنان نصّار: قصة قصيرة.. أهل الكهف… متى يصحو الشيخ من نومته؟
في آخر الحارة، حيث الأزقة تضيق كأنها تحفظ أسرار ساكنيها، كان بيت الشيخ يقف وحيدًا مثل شاهدٍ على زمنٍ لم يعد أحد يتذكره تمامًا.
بيتٌ قديم، بلونٍ رماديّ أكلته الشمس، وشرفة صغيرة تتدلّى منها أصص يابسة ماتت فيها الزهور منذ أعوام، دون أن يجرؤ أحد على إزالتها، كأن الحارة بأكملها كانت تؤمن أن صاحب البيت سيخرج ذات صباح، يحمل إبريق الماء، ويسقي ما تبقّى من حياة.
لكن الشيخ طال غيابه.
لم يمت، كما كان يهمس البعض.
ولم يرحل، كما كان يظن الغرباء.
إنما نام.
هكذا ببساطة.
نام طويلًا… أكثر مما ينبغي لرجلٍ يعرفه الناس جميعًا.
وكانت الحارة، كعادتها، لا تنسى.
كل صباح، يجلس «أبو محمود» على الكرسي الخشبي أمام دكانه الصغير، يعدّ أرغفة الخبز بعين، ويعدّ خسارات العمر بعينٍ أخرى، ثم ينظر صوب بيت الشيخ ويتمتم:
— «يقولون اليوم سيصحو».
ولا أحد يعرف من أين جاءت هذه الجملة أصلًا، لكنها تحوّلت مع السنوات إلى شيء يشبه الدعاء.
حتى «أم ياسين»، الأرملة التي تجاوزت السبعين، صارت تضع كل خميس طبقًا صغيرًا قرب عتبة البيت، وتقول وهي تعدّل طرف ثوبها:
— «الزلمة إذا صحي، أكيد رح يكون جيعان».
ثم تمضي.
كان أهل الحارة يحبّون الشيخ بطريقتهم الخاصة؛ ذلك الحبّ المشوب بالعتب، والمختلط بخيبةٍ لا تُقال صراحة.
فقد كان الشيخ، يوم كان يقظًا، كثير الكلام عن الغد.
يعدهم بأيامٍ أخفّ على القلب، وبطرقاتٍ أقلّ وعورة، وبأبوابٍ تُفتح بدل تلك التي ظلّت موصدة في وجوه الناس.
وكانوا يصدّقونه.
ربما لأن صوته كان مطمئنًا، أو لأن الإنسان الفقير — كما كان يقول الحاج سالم — يحتاج دائمًا إلى شيء يعلّق عليه أمله، حتى لو كان مجرد كلام.
لكن السنين مرّت.
وصار الغد عجوزًا قبل أن يصل.
كبر الأطفال الذين كانوا يركضون حفاةً في الحارة.
مات بعض الرجال الذين كانوا يجلسون قرب المقهى يلعبون الطاولة، ويختلفون حول السياسة ثم يتصالحون على كأس شاي.
حتى المقهى نفسه صار صامتًا.
كأن الجدران فقدت رغبتها في الإنصات.
أما الحارة، فكانت تتغير بصمتٍ موجع.
الدكان الذي كان يمنح الناس «دفتر دين» أغلق أبوابه بعدما صار الدين أكبر من قدرة الصبر.
الحلاق العجوز باع مرآته ورحل.
وأبو رائد، الذي كان يضحك بصوتٍ يسمعه آخر الشارع، صار يمرّ مطأطئ الرأس، كأن الحياة أخذت منه شيئًا لا يُعوّض.
وفي كل مرة يشتد فيها الضيق، يعود السؤال نفسه يتسلّل بين الناس كأنه سرّ محظور:
متى يصحو الشيخ؟
في المساء، حين يبرد الهواء قليلًا، كان الرجال يجتمعون أمام بيت الشيخ.
ليس حبًا بالثرثرة، بل لأن الانتظار — مهما طال — يحتاج رفقة.
قال أحدهم ذات ليلة:
— «يمكن الشيخ ناسي الطريق للصحوة».
ردّ آخر وهو يضحك ضحكة قصيرة تشبه التنهد:
— «أو يمكن إحنا اللي تعودنا على نومه».
ضحكوا قليلًا، ثم عاد الصمت.
فالصمت في الحارات القديمة لا يعني الهدوء دائمًا، بل يعني أحيانًا أن الكلام صار متعبًا.
وذات فجرٍ شتائي، حدث ما لم يكن في الحسبان.
انفتح الباب.
ببطءٍ شديد… كأن الخشب نفسه استيقظ من غفوته.
خرج الشيخ.
أبطأته السنوات، وانحنى ظهره قليلًا، وكانت عيناه تائهتين كمن عاد من سفرٍ طويل ولم يجد المدينة التي غادرها.
وقف في منتصف الزقاق.
نظر حوله.
تفحّص الجدران التي شاخت، والأبواب التي تبدلت، والوجوه التي لم تعد كما يتذكرها.
ثم قال بصوتٍ مبحوح:
— «لماذا تبدو الحارة متعبة هكذا؟»
نظر الرجال إلى بعضهم.
لم يغضب أحد.
لم يصرخ أحد.
فالناس حين يتعبون كثيرًا، يصبح العتاب رفاهية.
اقترب منه «أبو محمود»، وقد صار شعره أبيض كشتاءٍ طويل، وقال بهدوء:
— «يا شيخ… الحارة تعبت وهي تنتظر».
ارتجفت يد الشيخ.
وكأن الكلمات أصابته في مكانٍ لم تصله السنون.
وفي تلك اللحظة، مرّ طفل صغير يحمل رغيف خبز ساخنًا، حدّق طويلًا في وجه الشيخ ثم سأله ببراءة:
— «إنت الشيخ اللي كانوا يحكوا إنه رح يصحى؟»
هزّ الشيخ رأسه ببطء.
سأله الطفل مرة أخرى:
— «طيب… إذا صحيت هسّا… بتعرف أسماء الناس اللي ماتوا وهم بستنوك؟»
ساد صمتٌ ثقيل.
حتى العصافير التي اعتادت ضجيج الصباح بدت كأنها توقفت لحظة.
خفض الشيخ رأسه.
وللمرة الأولى، بدا كأنه فهم معنى الزمن حين يتحول من صديقٍ إلى خصم.
فالنوم الطويل لا يسرق من النائم عمره وحده… بل يسرق من المنتظرين أعمارهم أيضًا.
وحين بدأت الشمس تزحف على جدران الحارة، بقي السؤال معلقًا فوق البيوت كدخانٍ لا يختفي:
هل يكفي أن يصحو الشيخ أخيرًا… أم أن بعض النوم يأتي متأخرًا أكثر مما يحتمل الناس؟
