كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
الطبيب الإنسان… حين يرحل الرفيق د. موسى العزب
فجعنا، ليل الخميس فجر الجمعة، نبأ رحيل الرفيق الدكتور موسى العزب. جاء الخبر ثقيلًا، كما تأتي الأخبار التي لا تمنح القلب وقتًا للاستعداد للفقد. رحل الطبيب الإنسان، وعضو المكتب السياسي في حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني، تاركًا خلفه حزنًا يليق برجلٍ عاش قريبًا من الناس، ومن وجعهم، ومن أحلام البسطاء الذين آمن، طوال حياته، أن الوطن لا يكتمل إلّا بعدالةٍ أوسع وقلبٍ أكثر رحمة.
ليس سهلاً أن تكتب عن رجلٍ كان يشبه الناس أكثر مما يشبه المناصب، ولا عن طبيبٍ مارس مهنته كما لو أنها رسالة رحمة، ولا عن رفيقٍ حزبيّ ظلّ وفيًّا لفكرته دون أن يتخلّى عن إنسانيته.
برحيل الرفيق الدكتور موسى العزب، عضو المكتب السياسي في حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني، يخسر العمل الوطني والحزبي في الأردن واحدًا من أولئك الذين لم يبحثوا يومًا عن الضوء، لكنّهم كانوا يصنعون أثرًا هادئًا في حياة الآخرين، بصمت المؤمنين بأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالانحياز الصادق للناس وهمومهم.
كان الدكتور موسى العزب طبيبًا، نعم… لكنه قبل ذلك كان إنسانًا. يقترب من البسطاء بلا تكلّف، ويستمع لوجع الناس كما لو أنّه وجعه الشخصي. أولئك الذين عرفوه لا يتحدثون كثيرًا عن صفته السياسية أو مكانته التنظيمية بقدر ما يتحدثون عن أخلاقه، هدوئه، وابتسامته التي كانت تُشعر الآخرين بأن الحياة ما تزال تحتفظ ببعض طمأنينتها.
وأعترف، وأنا أكتب هذه الكلمات، أنّ الحزن هنا ليس حزنًا عامًا فقط، بل شيء من الذاكرة الشخصية أيضًا. كنّا نلتقي، منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، الراحل الرفيق الدكتور موسى العزب، والراحل الصديق أمجد ناصر، وأنا، في مقرّ مجلة «نداء الوطن» في جبل الحسين بالعاصمة عمّان؛ نستعيد أحاديث السياسة والثقافة وهموم البلاد العربية، وكانت تلك الجلسات تشبه فسحة صغيرة من الأمل في زمنٍ مزدحم بالخذلان.
وأحيانًا كانت تجمعنا لقاءات دافئة في عيادة الرفيق العزيز الراحل الدكتور طارق حجاوي في الزرقاء، كلّما سمحت ظروف القهر وضيق الوقت، وكأننا نختطف من الحياة لحظات قليلة لنؤكّد لأنفسنا أنّ الصداقة الحقيقية قادرة على النجاة من قسوة الأيام. وهناك، كان الزميل الصحفي ماجد عبدالهادي أطال الله عمره ، يناكفنا قليلًا بروحه الساخرة المحببة، فتخفّ وطأة السياسة، ويأخذ الحديث شكل الرفقة القديمة التي تعرف كيف تضحك رغم ثقل العالم. كان موسى العزب، في تلك اللقاءات، أكثر من طبيب وسياسي؛ كان رفيقًا يعرف كيف يُصغي، وكيف يُخفّف ثقل الحياة بكلمة هادئة وموقفٍ لا يُنسى.
في الحياة الحزبية الأردنية، كثيرون يمرّون، لكن قلة فقط يتركون خلفهم ذلك النوع من الحضور الذي لا يغيب بالموت. أولئك الذين يجعلون من الاختلاف مساحة احترام، ومن السياسة فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون موقفًا أو خطابًا. ويبدو أن الراحل كان واحدًا من هذه القامات التي آمنت بأن الانحياز للفقراء والعدل الاجتماعي ليس شعارًا عابرًا، بل التزام عمرٍ كامل.
الموت، في لحظات كهذه، لا يبدو حدثًا عابرًا. إنّه امتحان لذاكرة من عرفوا الفقيد، وسؤال كبير عن أثر الإنسان بعد رحيله. فثمة أشخاص يغادرون بصمت، لكن أصواتهم تبقى في وجدان الناس؛ في المواقف، وفي الحكايات الصغيرة، وفي الامتنان الصامت لمن مدّ لهم يدًا في وقتٍ كان العالم يضيق بهم.
رحل الرفيق الدكتور موسى العزب، لكنّ الأطباء الإنسانيين لا يرحلون تمامًا، والرفاق الحقيقيين لا تغيب وجوههم عن الذاكرة. يبقى اسمهم في دفاتر المحبة، وفي ذاكرة من عرفوا أن الوطن يحتاج دومًا إلى رجالٍ يشبهونه… تعبًا، وصدقًا، ووفاءً.
رحم الله الدكتور موسى العزب، الطبيب الإنسان، ورحم الرفيق الدكتور طارق حجاوي، وكل أولئك الذين تركوا في قلوبنا ما يجعل الغياب أكثر وجعًا… وأكثر وفاءً للذكرى.