..

تهديدات متبادلة وتصعيد عسكري على الحدود الأردنية – السورية/بسام البدارين

تهديدات متبادلة وتصعيد عسكري على الحدود الأردنية – السورية

«همسة» لافروف في أذن الصفدي: ضبطت الإيقاع وموسكو قدمت للأردن «خدمة خاصة جداً» و«هتافات» وليد المعلم و«حزب الله» والميادين «تمثيل»

بسام البدارين

 ليست طائرة الإستطلاع الغامضة الأولى التي يسقطها سلاح الجو الأردني على الشريط الحدودي مع سـوريا بل الثـانية في أقـل من عـام.
الطائرة الجديدة التي تم إسقاطها إختلفت بعض تفاصيلها الفنية والعسكرية هذه المرة فقد تم إسقاطها في «لحظة مناسبة» وبطريقة تضمن سقوطها داخل الأرض الأردنية حتى يتمكن خبراء سلاح الجو من جمع حطامها.
وهو ما حصل بكل الأحوال بمعنى ان الطائرة تم إصطيادها أكثر من إسقاطها وبصورة تؤشر على أن الجانب الأردني يحظى بـ «إستشارات» فنية رفيعة المستوى من حلفاء له عندما يتعلق الأمر بأفضل تكتيكات الدفاع بالعمق على حد تعبير الملك عبدالله الثاني ووزير الإتصال الناطق بإسم الحكومة الدكتور محمد المومني.
رسالة الأردن واضحة المعالم في هذا الإتجاه وهي ليست عسكرية وأمنية فقط بل سياسية أيضا وتؤكد الجدية في التعامل بأسلوب «النار المميتة» ضد أي هدف متحرك يقترب من الحدود براً وجواً ومن دون تنسيق.
عمان كانت قد اعلنت انها ستعتبر أي هدف متحرك من الأعداء إذا تجاوز خطوط الأمان ونداءات التوقف فيما كان وزير الخارجية السوري وليد المعلم قد اعتبر القوات الأردنية «معادية» إذا تحركت من دون تنسيق وهي إشارة قد تكون لصالح الإيحاء بأن الطرفين «لا يمانعان» التنسيق.
لكن أهمية الحادث لا تقف عند حدود الجانب الأمني والفني في المسألة بل تتعدى لقياس حجم «الإستنفار» والتصعيد العسكري والإعلامي على طول الحدود بين الأردن وسوريا خلال الأيام القليلة الماضية.
وهو «تصعيد» يبدو مفيداً للطرفين إذا ما خصمت منه «التبهيرات» الإيرانية التمثيلية عبر بيان حزب الله وبرامج محطة الميادين لإنه بكل الأحوال يرسم حدود اللعبة حتى من دون تنسيق.
ويساهم ـ وهذا الأهم ـ بتخفيف حدة الضغط الأمريكي والبريطاني على الأردن الداعي للتحرك «ضد الإرهاب في عمق الأراضي السورية» إنطلاقا من الأراضي الأردنية، الأمر الذي قالت عمان أنها لا تفضله ولا تسعى إليه حتى وهي في أقصى طاقات الاستنفار الأمني ضد تنظيم «الدولة».
عملياً يحاول كل طرف الاستثمار في لهجة التصعيد الإعلامي التي ارتبطت بنشاط غير مألوف خلال اليومين الماضيين على طول الحدود مع الأردن ومن المرجح أن الأردن طوال الوقت كان على «تواصل دائم» خلف الستارة وعلى مستوى «العمليات» ايضـا مع الجـانب الروسـي.
لا بل تفيد معلومات حصلت عليها «القدس العربي» بأن الأردن طلب المساعدة من روسيا بصورة سرية حتى يراوغ الضغط البارز عليه بشأن الدخول للأراضي السورية.
من الواضح ان موسكو وافقت خلال استقبالها مؤخراً لوزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي بلقاء خاص ومغلق لم تكشف تفاصيله على تقديم «الخدمة المطلوبة» للجانب الأردني حيث قالت عمان بوضوح وعبر قناة الصفدي مع لافروف بأنها «لا تريد التورط في الأرض السورية» وتهتم حصريا بمواجهة اي إحتمالات لاقتراب تنظيمات «داعش» نحو الحدود.
تصرف الروس بطريقة «غامضة» حتى الآن بالطلب الأردني وبدا واضحاً أن حملة «الردح» الإعلامية التي مارسها رموز النظام السوري مؤخراً ضد عمان من وليد المعلم حتى بهجت سليمان وبعدها حملتا حزب الله و»الميادين» ليس أكثر من حلقات في «تكتيك» روسي يحاول مساعدة الأردن في مراوغة سيناريوات الاختراق العسكري المباشر.
مقابل ذلك من المرجح أيضاً ان الجانب الأردني حصل على الأذن اللازم للتصرف التكتيكي بالعمق السوري عندما يتعلق الأمر بمخاطر الإرهاب خصوصا وان الوزير المومني سبق ان ابلغ «القدس العربي» أن بلاده تتعامل مع تنظيمات «داعش» باعتبارها «عصابات إجرامية» لا تستوجب دخول الجيش وتتكفل بها الأجهزة الأمنية وهي مرصودة بقوة.
التصرف التكتيكي هو الذي يسمح بمتابعة استخباراتية أمنية على مدار الساعة وهو الذي يدفع الأردن بحماس لإسقاط طائرة الاستطلاع الصغيرة الأخيرة ويدفع كبار المسؤولين الأردنيين للإعلان بأن «مصير أي شيء يقترب من الحدود بصورة عدائية هو الموت المحتم».
في قياسات اروقة القرار الأردني ثمة معادلة مقررة ومبلغة للأطراف الدولية الفاعلية وفكرتها، تجنب أي مغامرة عسكرية في الأراضي السورية يقابله وفوراً حق الأردن بالتدخل التكتيكي الوقائي بالعمق السوري في حال التعرض لخـطر.
ذريعة الأردن التي تبدو منطقية هنا بسيطة وواضحة المعالم وتقول بأن الطرف الشمالي من الحدود مع سوريا وبنسبة لا تقل عن 55% توجد فيه بالطرف المقابل قوات إرهابية بالتصنيف الدولي والأردني من بينها «داعش» و«النصرة» مع عائق سكاني وجغرافي هش للغاية تمثله بعض قرى جبل العرب والجيش النظامي السوري لا يريد التواجد إلا على 12% فقط من الشريط الحدودي.
مثل هذه المبررات تبدو مقنعة لكل الأطراف فهي تجذب للأردنيين من أصدقائهم وحلفائهم افضل تقنيات الدفاع الحدودي بكل أصنافها العسكرية وتؤدي لتبريد «الرؤوس الحامية» في موسـكو وطـهران ودمشـق وحتى جـنوب لبـنان.

القدس العربي