كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب
انهيارات نموذجية اليرموك… حين تصبح صحة الطلبة ضحية الفوضى الإدارية
في الدول التي تحترم الإنسان، لا تُقاس قيمة المؤسسات بعدد مبانيها ولا بتاريخ تأسيسها فقط، بل بقدرتها على حماية الناس الذين يعيشون داخلها. وحين تتحول الجامعة، التي يفترض أن تكون مساحة للأمان والعلم والثقة، إلى مصدر خوف وقلق على صحة الطلبة، فإن الأمر يتجاوز حدود “الحادث العابر” ليصبح سؤالًا كبيرًا عن طبيعة الإدارة، ومعنى المسؤولية، وحدود الصمت.
الخميس الماضي، عند العاشرة صباحًا، بدأت أولى الإشارات التي لم تكن في لحظتها سوى وعكة عابرة أو حالة فردية. لكن ما لبثت الساعات أن كشفت أن الأمر أكبر من ذلك بكثير، وأن ما يجري داخل أسوار المدرسة النموذجية في جامعة اليرموك يتجه نحو مشهد صحي مقلق سرعان ما اتسعت دائرته.
قبل يومين فقط، كانت تفاصيل المشهد لا تزال طازجة في الذاكرة: أصوات الإسعاف، وقلق الأهالي، والوجوه التي لم تفهم كيف تحوّلت لحظة يوم دراسي عادي إلى حالة طوارئ صحية. كان الوقت كافيًا لطرح الأسئلة الأولى، لكنه لم يكن كافيًا لطمأنة القلوب التي بقيت معلّقة بين الخوف والانتظار.
كيف نقف صامتين أمام تسمم أكثر من (55) طالبًا في المدرسة؟ كيف يتحول الخبر إلى رقم عابر، بينما هو في حقيقته وجعٌ جماعي لبيوتٍ كاملة، وقلقٌ يمسّ قلوب الأمهات والآباء الذين لم يغمض لهم جفن وهم يتابعون أخبار أبنائهم بين المستشفيات وغرف الطوارئ؟ أي منطق يمكن أن يبرر هذا الألم حين يُختصر في بيان، أو يُمرّر كخبرٍ عابر؟
حادثة التسمم الجماعي التي شهدتها المدرسة النموذجية داخل حرم جامعة اليرموك لم تكن مجرد خبر عابر في نشرات المساء، بل كانت لحظات رعب حقيقية عاشتها عشرات العائلات في إربد وهي تتلقى الاتصالات عن إصابة أبنائها ونقلهم إلى المستشفيات. مشهد سيارات الإسعاف، ووجوه الأهالي المرتبكة، والخوف الذي تسلل إلى البيوت، كل ذلك لم يكن تفصيلًا صغيرًا يمكن تجاوزه ببيان إداري مقتضب أو بتطمينات متسرعة.
الأخطر من الحادثة نفسها، أن التصريحات الصادرة عن مديرية صحة محافظة إربد كشفت أن المقاصف داخل جامعة اليرموك غير مرخصة أصلًا، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة أكثر قسوة وإيلامًا: كيف تعمل مقاصف داخل واحدة من أكبر الجامعات الأردنية دون ترخيص صحي؟ أين كانت الرقابة؟ ومن سمح باستمرار هذا الواقع رغم ما يحمله من تهديد مباشر لصحة الطلبة والأطفال؟
هذه ليست مخالفة إدارية بسيطة، بل مؤشر خطير على حجم الفوضى التي وصلت إليها آليات الرقابة والإدارة داخل الجامعة. فحين يغيب الترخيص، يغيب معه الحد الأدنى من الضمانات الصحية، وتصبح أرواح الناس رهينة للإهمال والتسيّب واللامبالاة.
والمؤلم أكثر، أن حادثة التسمم لا تبدو منفصلة عن سياق طويل من الأزمات والانهيارات التي تعيشها الجامعة منذ سنوات. فالعاملون فيها يروون يوميًا قصصًا من المعاناة والإهانة وهم يقفون لساعات طويلة لصرف وصفات العلاج، وكأن الحصول على الدواء تحوّل إلى معركة يومية تستنزف الكرامة قبل الجسد. كما أن مئات الموظفين ما يزالون ينتظرون مستحقاتهم ومكافآت نهاية الخدمة، في ظل حالة من الضبابية والقلق وفقدان الثقة.
كل ذلك يحدث داخل مؤسسة كانت يومًا واحدة من أهم علامات التعليم العالي في الأردن، وواحدة من أبرز الواجهات الأكاديمية الوطنية. لكن الجامعات، مثل البشر، لا تنهار فجأة. الانهيار يبدأ صغيرًا، بصمت طويل عن الأخطاء، وبالتعامل مع التجاوزات باعتبارها “تفاصيل”، إلى أن تصبح الأزمات واقعًا يوميًا يصعب السيطرة عليه.
الأردنيون يتذكرون جيدًا كيف تعاملت الدولة مع فاجعة البحر الميت، وكيف غادر مسؤولون مواقعهم رغم أن التحقيقات لم تكن قد انتهت بعد. ويتذكرون أيضًا استقالة وزير الصحة الأسبق الدكتور نذير عبيدات بعد حادثة مستشفى السلط، في موقف حمل رسالة أخلاقية عميقة مفادها أن المسؤولية ليست فقط ما يثبته القانون، بل ما يمليه الضمير أيضًا.
أما اليوم، فإن جامعة اليرموك تبدو أمام لحظة اختبار حقيقية. فالقضية لم تعد قضية “تسمم غذائي” فقط، بل قضية ثقة بمؤسسة أكاديمية يفترض أن تكون نموذجًا للانضباط والسلامة والاحترام. والناس لا يريدون بيانات علاقات عامة، بل يريدون إجابات واضحة: من المسؤول؟ كيف استمرت المقاصف دون ترخيص؟ ومن سيحاسب على تعريض صحة الطلبة للخطر؟
إن حماية سمعة المؤسسات لا تكون بالتقليل من حجم الكارثة، بل بالاعتراف بالأخطاء ومحاسبة المقصرين، لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي مؤسسة هو أن يصبح الألم داخلها أمرًا اعتياديًا، وأن تتحول معاناة الناس إلى خبر يتكرر دون أن يهتز له ضمير أحد.