شعب أراد الاستقرار / بقلم المشرف التربوي باسل العلي الحمادنة

كنانة نيوز –

شعب أراد الاستقرار
بقلم :المشرف التربوي الأستاذ باسل العلي الحمادنة
الإنتماء لهذه البقعة الطاهره حكاية قديمة بقدم الحضارات التي تعاقبت عليها، انتماء ابن هذه البقعة قصة ورواية قَلَّما نجد نظيرها في أرجاء العالم، الإنسان الذي استطاع أن يبني حضارته عند منابع الأنهار والدلتاوات والساحل وينابيع المياه كما هو الحال في بلاد الرافدين والحضارة المصرية والكنعانية والتدمرية، كان من السهل عليه بناء وطن وتأليف دول، وكذلك الاقتناع بهذا التأليف للأوطان لوفرة الإمكانيات التي تساهم في بناء الحضارة بينما أن تنحت صخراً بين احضان الجبال والوديان في أرض جرداء لا ماء فيها ولا أشجار هنا يكمن اعجاز هذا البناء للوطن، فهذه الدقة البدوية وكأنها وشم على جبين بدوية، أو على خدود وردية لا نظير لها. لقد أبدع النحات في نحته بتلك الصخور في الوقت الذي كان بمقدور ابن الحضارة النبطية الهروب نحو تلك الحضارات ليعيش بينها نحو الشمال حيث البحر أو الشرق حيث الرافدين أو الغرب حيث الدلتا المصرية أو حتى الجنوب إلى اليمن، بمعنى أنه كان بمقدوره أن لا يعاني وأن لا يبقى لكنه أصر بالرغبة والفكرة أن يكون في بقعة لا كينونة بها ولا مقومات الحياة الحضرية أن يجعل منها كل شيء حيث لا شيء، جلب المياه من أعالي الجبال بقنوات هندسية بارعة وحفر الصخور بأدوات بسيطه بحثاً عن ذلك الاستقرار، ليقول لمن بعده أن هذه البقعة قوية برجالاتها ونسائها بقليل من الماء وكثير من الرغبة والإصرار قادرة على صنع المعجزات، لقد صدق من وصف ذلك بالإعجاز الأردني الباقي الذي لا يتغير أو يزول أو يتحول فهو باق خارج نطاق الخيارات المتعددة، خيار أزلي صامد رغم الريح والإعصار، لنرى عبر التاريخ من لم يرقه هذا الإعجاز محاولاً هدمه أو السيطرة عليه، إنه ديدنهم دائما (اليهود) الذين سيطروا على (غزة) عام 100 ق.م بقيادة (الاسكندر جانوس) المُكابي اليهودي مهدداً بذلك مصالح دولة الأنباط الاقتصادية وبعد سبع سنوات استطاع ملك الأنباط (عُبادة الأول) في عام 93 ق.م هزيمتهم عند أم قيس “جدارا” ولم تكن هذه المرة الأولى بل كان هناك صراعات عدة طوال الوجود النبطي في هذه المنطقة من (300ق.م -100م).
فما الذي دفع المكابي اليهود في ذلك الوقت إلى الصراع مع الأنباط العرب ..؟!!. رغم وثنية ديانة الأنباط ويهودية المكابيين فمن المحتمل جداً أن الصراع لم يكن صراعاً عقائدياً بين ديانتين بقدر ما هو من طرف واحد (الطرف المكابي اليهودي) وإن كان كذلك فهو من المؤكد صراع وجودي مرتبط بالمصالح الذي يرافقه فكرة التوسع دوماً، فمن وجهة نظر اليهود وفقاً لرواية الكتاب المقدس أن من أنشأ البتراء هم سلالة النبي (نابوت) الإبن الأكبر للنبي اسماعيل، وأنها بُنيت في مملكة أدوم، قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، على يد (عيسو) شقيق يعقوب التوأم الذي أصبح اسمه (اسرائيل)، كما يعتقدون أن اسم البتراء القديم (سالع) هو كلمة عبرية معناها (صخرة). ويعتقدون كذلك أن الله خاطب سيدنا موسى في جبالها، ((وفي مكان ما منها يوجد أهم وأثمن سر في تاريخهم)). وهو بحسب زعمهم ((تابوت العهد)) الذي يحتوي على الوصايا العشر التي أعطاها الله لسيدنا موسى، وبعض ما ترك موسى، بالإضافة إلى عصا أخيه هارون الذي يرقد جسده على قمة أحد جبالها.
فالمتمعن في حدود دولة الأنباط وشمولها (لأراضي الاردن حاليا وفلسطين ومدائن صالح في السعودية وسيناء في مصر ودمشق ودرعا) يلمس أهمية هذا الموقع الاستراتيجي فالمتحكم في هذا الموقع متحكم في الطرق التجارية الدولية ( بين البحر الاحمر وسوريا واليمن وبلاد الشام والبحر المتوسط، وطريقا تسير من معان باتجاه غزة وشمالي مصر، وطريق تصل الخليج العربي وبلاد بابل لنقل العطور البخور واللبان من الجزيرة العربية والحرير من فارس والهند)
هذه المعاناة في بناء الوطن من اللاشيء هي ميزة أبناء هذه البقعة الطاهرة شعباً ودولة وأقصد تاريخاً وحاضراً، فأبناء هذا الوطن الآن يسطرون أسمى التميز في الحفاظ على هويتهم العميقة بعمق موروثهم الحضاري والذي حافظ على وجود هذه الهوية أمام المحيط الملتهب وأمام أطماع الغير، ذلك الفكر العربي الهاشمي الذي نجح سابقاً في الحفاظ على هوية هذه المنطقة العربية في (سوريا والعراق وفلسطين والأردن ) لولا أطماع الاستعمار الذي قسمها واستعمرها، كما فعلت الإمبراطورية الرومانيه عام 100 م، عندما سيطرت على مملكة الأنباط وحولت الطرق التجارية عبر طريقها الجديد الذي سمي باسم القائد الروماني (تراجان).
وما زال الفكر الهاشمي الأصيل في المملكة الأردنية الهاشمية حالياً يقوم بدوره الأصيل بالحفاظ على الهوية العربية في هذه الدولة المتواضعة بقلة الإمكانيات وكثير جداً من الرغبة والإصرار، حيث بات الاحترام للأخر العربي أياً كان ومناصرته واحتضانه وقبوله سلوكاً يومياً رغم قلة الإمكانيات والموارد ودليلاً على ذلك العمق الحضاري النبطي لأبناء هذه البقعة الطاهرة، وعلى الفكر الهاشمي المتأصل عبر التاريخ ليصبح لأبناء هذه الدولة الأردنية هوية خاصة تميزه عن غيره.
فهذه الدولة المتواضعة ما هي إلا واقع لا يمكن تجاهله فلم تكن يوماً مسرحاً لهروب بدوي، ولم يكن ساكنيها هاربين أو سارحين بحثاً عن الكلأ والماء، وإنما شعبها شعب أراد الاستقرار فكان له ذلك ….