في ادب الاعتذار / د. محمد حيدر محيلان

كنانة نيوز –
في ادب الاعتذار
د. محمد حيدر محيلان
مَن خُلِقَ ظلومًا جهولاً ، ومن خُلِقْ من عَجَلْ فى الأمور كلها لا يُعْصَم من الخَطأ ، وان مَنْ تُعَدْ اخطاؤه يعتبرُ سابقٌ على من لا تُعَدْ اخطاؤه لكثرتها ، وسابقٌ على من تُعَدُ فقط إصاباتُه. إنّ مَنْ يُخِطىء بالليل والنهار كما يقول الله خالق البشر في الحديث القدسي اولى بالتراجع والاستغفار، ولذلك قال الرسول عليه السلام (كلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ ، و خيرُ الخطائين التوابونَ) والكل هنا، يعني التعميم ، وخطّاء صيغة مبالغة أي انه ليس من احد الا ويخطىء ولكن خير هؤلاء، هم التوابون العائدون عن اخطائهم والمعتذرون عن زلاتهم وهفواتهم بحق الاخرين وبحق انفسهم ، وأفضَلُ بَني آدَمَ الَّذين يُخطِئون ويَعصُون هم، “التَّوَّابون”، أي: الذين إذا أذنَبوا رَجَعوا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ وتابوا، واستَغفَروا في كلِّ وَقتٍ وحين.
ان الكبار يكبر في حضرتهم الناس، والكرام تُكْرِم الناس، وتأبى النفوس العظيمة أنْ تسيء للناس وان أساءت واخطأت تراجعت وعادت لرشدها عن غيِّها فوراً، لكي تبقى تتربع على عرش الرقي والتحضر والاحسان والعظمة، لان في الزلل والخطأ والاساءة للاخرين هبوطٌ ونزول من عرش الادب والرقي والتحضر والايمان لمستوى أدنى والعظيم الكبير يأنف ان يهبط من موقعه السامق لمستوى متدنٍ فتراه يسابق من فورهِ ليعتذر ممن أساء اليه او من ربه اذا كانت الاساءة بحق الخالق وهي الاعظم ولذلك قال الله تعالى : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين 133ال عمران) وكقوله تعالى في سورة الحديد : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) 21، الحديد). فطلب منهم المسابقة والسرعة لانه لا يريد لعباده ان يخسروا مكانتهم العلية في الدنيا والاخرة .
إنّ الكبار يفهَمون الاعتذار فهمًا راقيًا، فتجدهم يسارعون ويسابقون في الاعتذار للصغير والكبير ، للغريب وللقريب، فما الضير ان يُعْتَذَرْ للآباء والابناء ، والاخوة والاخوات ، وللأعمام وللأخوال وللاقارب، وللزوجات وللأزواج إذا أخطؤوا في حق بعضهم البعض!!؟ ، وما المانع من الاعتذار للمرؤوسين وللرؤساء اذا اخطأوا بحق بعضهم !!؟ ولا ينقص ذلك من قدرِهم شيئاً إذا اعتَذَروا، ولو كانوا في مراكزَ قيادية عُليا ، فهل نحنُ أفضلُ من الأنبياء والمرسلين الذين كانوا يعكفون على التسبيح والتحميد والصلوات والاحسان والصدقات ، ثم إذا أخطؤوا أخطاءً غير متعمَّدة رأيتَهم يُسابِقون في طلب الصَّفح والعفو من ربِّهم والاستغفار ليل نهار. ان الاعتذار لا ينتقص من رجولة وكرامة المرء اذا اعتذر ، بل يترجم قوة شخصية المعتَذِرْ وثقته العالية بنفسه وبأخلاقه ، وقوة دينه، وطيب أصله ومعدنه .
على العكس من الكبار وعظماء الناس ، تجد صِغار النفوس، وضيقي الصدر والخلق ، وكثير من الجَهَلَة من العامّة او المتعلمين، من الناس الذين دأبوا على التهرُّب من الاعتذار عن أخطائهم التي ارتكبوها، بحق انفسهم ، او بحق غيرهم ، او ربهم ، او اقربائهم ، لردَّة جاهلية في اذهانهم وفساد في نفوسهم ،وعناد كافر وعزة نفس ليست في مكانها، ضنَاً منهم ان في هذا السلوك عظمة وكبرياء وعلوّ في الشأن والقيمة، إلا أنهم يقعون في وحلٍ من الخطايا وتراكم الذنوب الموردة لازدراء الناس لهم ولمقت ربهم ، وسقوطهم في الدرك الاسفل من الحياة الدنيا، والدرك الأسفل من النار في الاخرة.
ان منهج العناد والتمادي وركوب الراس في الخطأ، منهج غيرُ سويٍّ، لا يقبَلُه إلا مَن شرِب من كأس الجهل والتخلف والعنجهية الجاهلية، حتى ثَمِل وغَفِلْ. ورب مخطيءٍ مذنب عاد عن خطَئهِ وتواضع واستغفر واعتذر، افضل من مصيبٍ او عابدٍ اخذته العزة والغرور والعُجُبْ فتكبر وتعالى على الناس..
الاعتذارُ من اخلاق الانبياء ، وترجمة لطهارة النفس ونقاء القلب والسريرة، وسجيَّة طيبة محمودة ، لا يتمتَّع بها إلا مَن كان ذا فطرةٍ سويَّة لم تُفسِدْها العنجهية الجهلاء، او المادية المقيتة، او المنصب الزائل او الجحود ولؤم الطبع غير المحمود، فلا يأنَفُ التواضع والاعتذار عن الخطأ الا المُتكبِّرون والمتجبرون، اعتقاداً منهم أن ذلك سيجعلُهم صِغارًا في أعين الناس والعكس هو الصحيح ، فالاعتذار في
موضع الخطأ، عبادة وتراجع واستغفار، والتمادي في الخطأ والعناد جهالة وتخلف وكفر واستكبار.