رئيس التحرير المسؤول: اسامة طارق الزعبي | الثلاثاء - 2020/05/26

السير بعكس الاتجاه/ رائد عبدالرحمن حجازي

السير بعكس الاتجاه

رائد عبدالرحمن حجازي

أحياناً معاكسة السير فيها آمان .كنت نشرتها من قبل . ولا زالت تتكرر ، لا بل تتفاقم في حيثياتها وخصوصاً بعد عروض الحُزم التي لا تُقاوم .

بداية أرجو منكم عدم سؤالي عن المكان فأنا لا استطيع البوح عنه سوى أنه في إحدى المدن الأردنية , كما وأتمنى منكم عدم السؤال عن شخصيات المقال كوني شخصياً لا أعرفهم , وهم لم يُعطوني أدنى فرصة للتعرف عليهم .
أما الزمان فهو بعد صلاة الفجر وأثناء خروجي من محطة الوقود تفاجأت وإذ بأحدهم يقود آلية ويسير بها بعكس السير فاضطررت للوقوف الإجباري كي يتابع هو مسيره . فآليته عبارة عن عربة وفيها ما جادت عليه بطون الحاويات من عُلب بلاستيكية وعبوات للمشروبات الغازية ناهيكم عن تشكيلة الحاويات التي تعرفونها .
لغاية هذه اللحظة أعتقد بأن المشهد بات طبيعياً أن نشاهد مثله في شوارع مدننا الأردنية . لكن ما لفت نظري هو مرافقة فتاة لهذا الرجل ومن الواضح أنها ابنته , والتي استدارت بالتستر خلف والدها خجلاً واستحياءً . تابع الرجل وابنته مسيرهما أمامي بسرعة وبعكس السير مع بضاعتهما التي جمعوها في ذلك الصباح كي لا يتركوا مجالاً لي للتحدث اليهم أو تقديم بعض المساعدة .
أما أنا بعد ذلك عصفت في ذهني مجموعة من التساؤلات ومنها :-
هل سيكفيهم ثمن ما جمعوا من الحاويات لسد رمقهم في ذلك اليوم ؟
هل الفتاة تساعد والدها قبل الذهاب للمدرسة أم أنها ليست طالبة من الأصل ؟
هل هي أكبر ابنائه أم وحيدة أم لها اخوة يجمعوا الكنوز في مكان أخر؟
هل الأب لديه عمل إضافي غير هذه المهنة كي يستطيع توفير العيش الكريم لعائلته أم لا ؟
هل هذا الرجل يعتبر من ذوي الدخل المحدود حسب تصنيف فارضي الضرائب أم لا ؟
هل لأفراد هذه العائلة أحلام يريدوا أن يحققوها مستقبلاً أم أنه غير مسموح لهم بأن يحلموا ؟
هل مسيره بعكس السير كان مقصوداً أم مجرد صدفة ؟
هل يعشقوا الوطن أم أنهم نسوه كما نسوهم أصحاب الضرائب ؟
هل لديهم تأمين صحي أم أنهم محصنون ولديهم مناعة ؟
مجموعة من الأسئلة عصفت بذهني ثم دعوت الله أن يُفرج كربة هذا الرجل هو وغيره من شرفاء هذا البلد الذين ينطبق عليهم قوله عز وجل (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ) . اتقوا الله يا من خطايا هؤلاء في رِقابكم , فحياتكم قصيرة وحسابكم عسير , فاجعلوا قبوركم روضات في الجنان ولا تجعلوها حُفر في النيران .

شارك الخبر

بأمكانك مشاهدة

أطروحة دكتوراة للغماز عن مواجهة العنف الأسريّ في روايات سناء الشعلان

كنانه نيوز – نُوقشت في قسم اللغة الانجليزية وآدابها في كليّة العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة في …