كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
حين يصبح كشف الحقيقة جريمة… وتتحول الحصانة إلى مظلة للفساد
ليس أخطر على الدول من الفساد وحده، بل من ذلك الشعور الذي يتسلل إلى المجتمع عندما يعتقد الناس أن بعض الأشخاص فوق المساءلة، وأن النفوذ قادر على تعطيل القانون أو الالتفاف عليه. ففي تلك اللحظة، لا تتراجع الثقة بالمؤسسات فحسب، بل يتسلل الإحباط إلى النفوس، ويصبح الحديث عن العدالة أقرب إلى أمنية منه إلى واقع.
الفساد لا ينمو في وضح النهار، بل يتغذى على الصمت والخوف وغياب الشفافية. وكلما ضاقت مساحة النقد المسؤول، اتسعت مساحة التجاوزات. لذلك لم يكن غريبًا أن تعتبر الدول المتقدمة حرية الصحافة والرأي جزءًا من منظومة حماية المال العام، لأن الكلمة الصادقة كثيرًا ما تكشف ما تعجز عنه التقارير الرسمية.
لكن المشهد يصبح أكثر قسوة عندما تتحول بوصلة الاهتمام من ملاحقة الفساد إلى ملاحقة من يكشفه أو ينتقده. عندها يُسأل صاحب الرأي عن كلماته، بينما لا يُسأل صاحب التجاوز عن أفعاله. ويجد المواطن نفسه أمام مفارقة مؤلمة؛ إذ تبدو الحقيقة عبئًا على صاحبها، فيما يحظى المتسببون بالأزمات بقدر من الطمأنينة لا ينسجم مع مفهوم دولة القانون.
ولا تعني حماية الفاسدين بالضرورة إصدار قرارات معلنة أو توفير غطاء قانوني مباشر، فقد تكون في بطء الإجراءات، أو في إهمال الملفات، أو في إغراق القضايا بالتفاصيل حتى تفقد زخمها، أو في إشغال الرأي العام بقضايا جانبية تصرف الأنظار عن جوهر المشكلة. وهكذا يتحول الزمن إلى وسيلة لإضعاف الحقيقة، ويصبح النسيان حليفًا لكل من يريد الإفلات من المساءلة.
إن الدولة الواثقة من نفسها لا تخشى الكلمة الحرة، لأنها تدرك أن النقد المسؤول ليس خصومة، بل إنذار مبكر يحمي المؤسسات من الأخطاء قبل أن تتفاقم. فالإعلام ليس سلطة معارضة بطبيعته، وإنما عين المجتمع التي تراقب، ولسان المواطن الذي يطالب بالإصلاح، وجسر يربط بين الواقع وصانع القرار.
لقد أثبتت التجارب أن محاربة الفساد تبدأ عندما يشعر الجميع بأن القانون يطبق على الجميع، دون استثناء أو تمييز. أما إذا أصبحت العدالة انتقائية، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس ستكون أكثر خطورة من أي قضية فساد، لأنها تزرع الشك في قيمة القانون نفسه، وتفتح الباب أمام فقدان الثقة بالمؤسسات.
ولا يمكن بناء مستقبل اقتصادي أو جذب استثمارات أو ترسيخ الاستقرار في بيئة يعتقد فيها المواطن أن الإفلات من العقاب ممكن، وأن الجرأة على قول الحقيقة قد تكون مكلفة. فالثقة هي رأس المال الحقيقي للدول، ولا تُبنى إلا بالشفافية والمساءلة واستقلال القضاء وحماية الحريات العامة.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل نريد مجتمعًا يخشى الكلام، أم وطنًا يطمئن فيه المواطن إلى أن صوته مسموع، وأن القانون هو الحكم بين الجميع؟ إن الإجابة لا تكمن في الخطابات، بل في الممارسات اليومية التي تثبت أن لا أحد أكبر من القانون، وأن الحقيقة ليست جريمة، وأن حماية الوطن تبدأ بحماية العدالة، لا بحماية الفاسدين.