كنانة نيوز –
الجنرال.. الحساب المجهول الذي أربك المؤسسات وأعاد تعريف الرقابة الرقمية
عدنان نصار
————-
في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الرأي العام، برز في الأردن حساب يحمل اسم “الجنرال”، ليتجاوز كونه مجرد صفحة على “فيسبوك”، ويصبح ظاهرة إعلامية ورقابية تستحق التوقف عندها. فالحساب الذي يحرص القائمون عليه على إخفاء هويتهم، استطاع أن يفرض نفسه على المشهد العام من خلال نشر وثائق رسمية، وكشف اختلالات إدارية، والإشارة إلى ملفات تتعلق بالتعيينات، والوظائف، والعطاءات، وآليات اتخاذ القرار داخل عدد من المؤسسات.
وما يميز “الجنرال” أنه لا يعتمد خطابًا شعبويًا أو لغةً هجومية، ولا يلجأ إلى الشتائم أو الإساءة الشخصية، بل يقدم مادته بأسلوب هادئ يستند في الغالب إلى وثائق ومعلومات تبدو دقيقة، الأمر الذي منحه مساحة واسعة من المصداقية لدى شريحة كبيرة من المتابعين، وجعل كثيرًا من منشوراته تتحول إلى مادة للنقاش العام، بل وإلى أخبار تتناولها وسائل الإعلام المحلية.
ومع اتساع تأثيره، لم يعد السؤال الأبرز هو: ماذا نشر “الجنرال”؟ بل أصبح: من هو الجنرال؟ وكيف يحصل على هذه المعلومات؟
هذا السؤال شغل صحفيين وإعلاميين ومتابعين، وفتح الباب أمام العديد من الفرضيات، دون أن يتمكن أحد من تقديم إجابة حاسمة.
إحدى هذه الفرضيات تشير إلى أن وراء الحساب شبكة واسعة من الموظفين داخل مؤسسات الدولة، ممن يؤمنون بأهمية كشف التجاوزات الإدارية، فيقومون بتزويده بالوثائق والمعلومات.
وفرضية أخرى ترى أن القائم على الحساب يمتلك خبرة قانونية وإدارية كبيرة، تتيح له قراءة الوثائق وتحليلها وربطها بالتشريعات والأنظمة النافذة. بينما يذهب فريق ثالث إلى الاعتقاد بأن “الجنرال” يقيم خارج الأردن، ويعتمد على شبكة مصادر داخلية، الأمر الذي يمنحه هامشًا أكبر من الحركة ويصعب الوصول إلى هويته.
ومهما تكن الحقيقة، فإن الأهم من شخصية “الجنرال” هو البيئة التي سمحت بظهور هذه الظاهرة. فحين يلجأ موظفون أو مواطنون إلى حساب مجهول لإيصال معلوماتهم، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول مستوى الثقة بقنوات الإبلاغ الرسمية، ومدى فاعلية أدوات الرقابة المؤسسية، وسرعة الاستجابة للشكاوى والملاحظات.
كما تطرح الظاهرة سؤالًا آخر لا يقل أهمية: هل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي تؤدي دورًا رقابيًا يوازي، وربما يتجاوز أحيانًا، دور بعض المؤسسات التقليدية؟
في المقابل، لا ينبغي التعامل مع أي وثيقة منشورة على وسائل التواصل بوصفها حقيقة نهائية، مهما بدت مقنعة. فالصحافة المهنية تقوم على التحقق، والاستماع إلى جميع الأطراف، واحترام حق الرد، وعدم إصدار الأحكام قبل اكتمال الوقائع. فالوثيقة قد تثير الشبهة، لكنها لا تغني عن التحقيق، ولا تحل محل القضاء أو الجهات الرقابية المختصة.
لقد استطاع “الجنرال” أن يفرض معادلة جديدة في المشهد الإعلامي الأردني، عنوانها أن المعلومة أصبحت قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والمؤسسات التقليدية، وأن التكنولوجيا منحت الأفراد قدرة غير مسبوقة على التأثير في الرأي العام وصناعة الحدث.
وفي النهاية، سواء كان “الجنرال” شخصًا واحدًا، أو فريقًا يعمل بصمت، أو شبكة من المتعاونين، فإن الظاهرة تكشف حقيقة أعمق؛ وهي أن المجتمعات التي تتطلع إلى الشفافية لا يهمها كثيرًا اسم من يكشف الخلل، بقدر ما يهمها أن تتم معالجة الخلل نفسه.
فالرقابة الحقيقية لا تنتصر بإخفاء الأصوات، وإنما ببناء مؤسسات أكثر شفافية، وأسرع استجابة، وأكثر قدرة على حماية المال العام وتعزيز ثقة المواطنين.