كنانة نيوز –
مغارةُ الأطفال
عاطف ابوحجر
في أطرافِ الحزنِ القديمة، حيثُ تختلطُ الذاكرةُ بالتراب، وتغفو الحكاياتُ على عتباتِ الغياب، كانت هناك مغارةٌ صغيرةٌ لا يعرفها كثيرون… لكنها كانت تحملُ في جوفها عالماً كاملاً من البراءة. لم تكن مغارةً عادية، بل كانت ملاذًا أخيرًا لأرواحٍ لم تُمهلها الحياةُ لتكبر، ولم تُعطَ الفرصة لتقولَ كلمتها الأولى. هناك، في صمتِ الأرض، كانت تُوارى أجسادُ الأطفال، لكن أرواحهم… كانت تحلّق أعلى من كل شيء.
في ذلك الزمانِ البعيد، كان لي أختٌ اسمها صفا. لم تمكث طويلاً في هذه الدنيا، فقد رحلت وهي لم تُكمل أشهرها الأولى. كان ذلك في منتصف سبعينيات القرن، حين كانت الحياةُ أبسط، لكنها أقسى في بعض وجوهها. في مدينة السلط، وتحديدًا بالقرب من مقبرة العيزرية، اعتاد الناس أن يدفنوا الأطفال الرضّع في مغارةٍ تقع في منتصف المقبرة، بجوار قبر رجل صالح.
لا أنسى ذلك اليوم… يوم حمل أبي أختي الصغيرة، صفا، بين ذراعيه. كانت خفيفةً كأنها نسمة، ساكنةً كأنها دعاء. قالوا إنها طيرٌ من طيور الجنة، وكنت أصدق ذلك دون أن أفهم تمامًا معنى الرحيل. رأيت كيف فُتح باب المغارة، وكيف دخل أبي بخطواتٍ مثقلةٍ بالصمت، ثم كيف أُغلق المدخل بصخرةٍ متوسطة، وأُحيط بالحجارة، وكُحّل بالطين والإسمنت. كانت المراسمُ بسيطة، لكنها مهيبة… روحانيةٌ إلى حدٍّ يجعل القلب يرتجف دون صوت.
مرت السنوات، وبقيت المغارة تسكن الذاكرة. وفي إحدى المرات، روت لي أمي قصةً عنها، قصةً غريبةً كأنها آتية من عالمٍ آخر. قالت إن رجلًا غريبًا مرّ بمدينة السلط، وكان برفقته طفلة لم تبلغ العاشرة. مرضت الصغيرة وماتت، فاستنجد الرجل بأهل المدينة، وسألهم عن مكانٍ يدفنها فيه. دلّوه على مغارة الأطفال، فحملها إلى هناك، وودّعها كما يودّع القلبُ آخر نبضاته.
لكن الحكاية لم تنتهِ هنا…
قالت أمي إنها رأت في المنام، في تلك الفترة، مشهدًا لا يُنسى. رأت نفسها تمرّ من منتصف مقبرة العيزرية، فرأت عددًا كبيرًا من الأطفال يلعبون ويمرحون فوق المغارة. كانوا يضحكون، يركضون، يتعانقون… وفي وسطهم جلست تلك الطفلة الغريبة، وكأنها واحدةٌ منهم منذ الأزل. كان المشهد أشبه بكرنفالٍ سماوي، احتفالٍ يفوق أجمل مدن الألعاب في العالم… لكنه كان أنقى، وأصدق، وأقرب إلى الرحمة.
حين وصلت أمي إلى هذه اللحظة، صمتت. وصمتُّ أنا أيضًا. هناك أشياءُ لا تُقال، لأنها أكبر من الكلمات… وأعمق من اللغة.
اليوم، لا أملك إلا الدعاء.
الرحمةُ لصفا… ولجميع أطفال العالم الذين مرّوا سريعًا، لكنهم تركوا أثرًا لا يزول.
سلامٌ عليهم، يوم جاؤوا خفيفين… ويوم رحلوا أنقياء… ويوم يبعثون نورًا في قلوبنا كلما تذكرناهم.