كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
الاردن: مسؤولون برواتب فلكية… ومواطن يسأل: ما هي معايير الاختيار؟:
في بلد يرزح تحت ضغوط اقتصادية متراكمة، ويُطلب من مواطنيه الصبر على قرارات صعبة وضرائب مرتفعة وتكاليف معيشة لا تهدأ، يصبح من حق الأردنيين أن يسألوا بصوت واضح: كيف يُختار بعض المسؤولين؟ وعلى أي أساس تُمنح لهم رواتب وامتيازات تبدو، في نظر كثيرين، بعيدة عن واقع الدولة والمجتمع؟ فالقضية لم تعد مجرد أرقام تُتداول في المجالس أو على منصات التواصل، بل أصبحت عنواناً لسؤال أكبر يتعلق بالعدالة، وبهيبة الإدارة العامة، وبثقة الناس بمؤسسات يفترض أنها تعمل باسمهم ومن أجلهم.
لا أحد يعترض، من حيث المبدأ، على أن يتقاضى المسؤول راتباً جيداً إذا كان صاحب كفاءة استثنائية، وخبرة موثقة، وقدرة حقيقية على الإدارة واتخاذ القرار وتحقيق النتائج. فالدولة، مثل أي مؤسسة محترمة، تحتاج إلى استقطاب أفضل العقول، وتحتاج أحياناً إلى منح رواتب تنافسية لمن يديرون ملفات حساسة ومعقدة. لكن الاعتراض يبدأ حين يغيب المعيار، ويتراجع الوضوح، ويصبح الراتب المرتفع منفصلاً عن الإنجاز، أو غير مفهوم في سياقه، أو مرتبطاً بموقع تم الوصول إليه بطرق لا تقنع الرأي العام. هنا لا يعود الحديث عن الأرقام وحدها، بل عن الفلسفة التي تحكم التعيين، وعن الرسالة التي ترسلها الدولة إلى مواطنيها عندما تبدو المناصب وكأنها امتيازات مغلقة أكثر منها مسؤوليات عامة.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود مسؤول يتقاضى راتباً مرتفعاً، بل في أن المواطن لا يعرف في كثير من الأحيان لماذا اختير هذا المسؤول تحديداً، وما الذي يميزه عن غيره، وما هي المعايير التي رجّحت اسمه، وما الذي يُنتظر منه في المقابل. هل جرى التعيين بناءً على خبرة نوعية نادرة؟ هل خضع المرشحون لمنافسة حقيقية؟ هل عُرضت مؤهلاتهم أمام الرأي العام؟ هل توجد مؤشرات أداء واضحة ومعلنة يمكن أن يُحاسَب المسؤول على أساسها؟ أم أن الأمر، كما يعتقد كثيرون، يدور في مساحة ضبابية تفتح الباب للاجتهادات والتأويلات وتُضعف الثقة بكل ما يأتي بعدها؟
حين تغيب الإجابات الواضحة، يصبح من الطبيعي أن يملأ الشك الفراغ. ويصبح من الطبيعي أيضاً أن ينظر المواطن إلى الراتب الكبير لا بوصفه أداة لاستقطاب الكفاءة، بل بوصفه دليلاً على خلل أعمق في طريقة إدارة الدولة لشؤونها. فالأردني الذي يسمع عن راتب فلكي أو امتيازات واسعة لا يستفزه الرقم وحده، بل يستفزه التناقض بين هذا الرقم وبين ما يراه يومياً من حديث رسمي عن ضبط النفقات، وترشيد الإنفاق، وضرورة شد الأحزمة. يستفزه أن يُطلب من الموظف العادي أن يقتنع بزيادة متواضعة أو أن يتحمل أعباء جديدة، فيما تبدو بعض المناصب وكأنها خارج كل حسابات التقشف والانضباط.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المسألة. فالراتب المرتفع قد يكون مفهوماً إذا ارتبط بمسؤولية ضخمة، وبأداء استثنائي، وبشفافية كاملة في التعيين والتقييم. أما إذا ارتبط بالغموض، أو بالمجاملات، أو بتدوير الأسماء ذاتها بين مواقع متعددة، فإنه يتحول من بند إداري إلى مشكلة سياسية وأخلاقية. لأن الرسالة التي تصل إلى الناس في هذه الحالة ليست أن الدولة تبحث عن الأفضل، بل أنها تكافئ القرب والنفوذ، وتمنح الامتيازات في دوائر مغلقة لا يدخلها إلا من يملك مفاتيحها.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الانطباع يضرب فكرة الدولة الحديثة من أساسها. فالدولة لا تقوم فقط على القوانين والمؤسسات، بل تقوم أيضاً على الشعور العام بالعدالة، وعلى اقتناع الناس بأن الفرص متاحة، وأن المواقع العامة ليست حكراً على أحد، وأن من يتقدم إلى المسؤولية يصل إليها لأنه الأجدر، لا لأنه الأقرب. وحين يضعف هذا الشعور، تتراجع ثقة الشباب بالتعليم والعمل والكفاءة، ويتقدم في المقابل الاعتقاد بأن الطريق إلى المنصب لا يمر عبر الجدارة بقدر ما يمر عبر العلاقات والولاءات والتوازنات.
هذا ليس تفصيلاً صغيراً. إنه أحد أخطر ما يمكن أن يصيب الإدارة العامة. لأن الدولة حين تفقد قدرتها على إقناع المجتمع بعدالة التعيين، فإنها تفقد تدريجياً قدرتها على إقناع الناس بجدوى التضحية، وبنزاهة القرار، وبمشروعية توزيع الأعباء. وفي مثل هذه الحالة، لا يعود السؤال عن رواتب بعض المسؤولين سؤالاً مالياً فقط، بل يصبح سؤالاً عن العقد المعنوي بين الدولة والمواطن: ماذا تعطي الدولة لمواطنيها من مثال في العدالة والانضباط؟ وكيف تطلب منهم الثقة وهي لا تقدم ما يكفي من الشفافية في واحدة من أكثر القضايا حساسية؟
ثم إن المسألة لا تتعلق فقط بالراتب النقدي المباشر، بل أيضاً بما يحيط به من امتيازات ومخصصات ومكافآت ومجالس إدارة وبدلات وسفر ومياومات وسيارات وسائقين وغير ذلك من الأعباء التي قد لا تظهر كاملة في الرقم المعلن. وهنا يصبح النقاش أكثر تعقيداً، لأن الكلفة الحقيقية لبعض المناصب لا تُقاس بالراتب الأساسي وحده، بل بمجموع ما يترتب عليها من امتيازات ومواقع متقاطعة. وإذا كانت الدولة جادة في حماية المال العام، فإن أول ما يجب أن تفعله هو كشف الصورة كاملة: من يتقاضى ماذا؟ مقابل أي مسؤولية؟ وبأي سند قانوني؟ وتحت أي رقابة؟
ليس المطلوب هنا حملة شعبوية على كل مسؤول يتقاضى راتباً مرتفعاً، وليس المقصود تسطيح النقاش أو تحويله إلى مزايدة. المطلوب ببساطة هو إعادة الاعتبار لمبدأين لا تستقيم الإدارة العامة من دونهما: الشفافية والاستحقاق. الشفافية في إعلان أسس الاختيار، وشرح مبررات الرواتب والمزايا، وكشف آليات التقييم والمحاسبة. والاستحقاق بمعناه الحقيقي، أي أن تكون الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز هي بوابة المنصب، لا الواسطة، ولا الترضيات، ولا إعادة تدوير الوجوه نفسها تحت مسميات جديدة.
والأردن اليوم أحوج ما يكون إلى هذه المراجعة. ليس لأن الخزينة تحتمل أو لا تحتمل فقط، بل لأن الثقة العامة نفسها أصبحت مورداً سياسياً ثميناً لا يجوز استنزافه. ففي لحظة إقليمية وداخلية معقدة، تحتاج الدولة إلى مواطن يصدقها، ويثق بأنها توزع الفرص والأعباء بعدالة، وأنها لا تطلب من الناس ما لا تطبقه على نفسها. وهذه الثقة لا تُبنى بالخطب، بل بالممارسة. تبدأ من قرار تعيين واضح ومبرر، ومن راتب مفهوم ومعلن، ومن مسؤول يعرف أن الموقع تكليف لا تشريف، وأن ما يتقاضاه ليس حقاً مكتسباً بل مسؤولية مضاعفة أمام الناس.
السؤال إذن ليس: لماذا يتقاضى بعض المسؤولين رواتب مرتفعة؟ بل: ما الذي يجعل المجتمع يقتنع بأن هذه الرواتب مستحقة؟ والإجابة لا تكون بالدفاع الإنشائي، ولا بالصمت، ولا بالتعامل مع الملف بوصفه شأناً داخلياً لا يحق للرأي العام الاقتراب منه. الإجابة تكون بإصلاح حقيقي في آليات الاختيار، وبنشر المعايير، وبتعزيز المساءلة، وبربط كل امتياز وكل دينار من المال العام بنتيجة واضحة قابلة للقياس.
لقد تعب الأردنيون من اللغة العامة، ومن الوعود الفضفاضة، ومن الحديث عن الإصلاح بوصفه شعاراً أكثر منه ممارسة. وما يحتاجونه اليوم ليس فقط تغيير أسماء، بل تغيير قواعد. قواعد تقول بوضوح إن المنصب العام ليس جائزة، وإن الراتب ليس حصانة، وإن المسؤولية تبدأ من القدرة على تبرير الموقع والراتب أمام الناس، لا من القدرة على الوصول إليهما. وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، لن يعود الراتب المرتفع مستفزاً إذا كان مبرراً، ولن يعود المواطن مضطراً إلى طرح السؤال نفسه في كل مرة: من اختار؟ وعلى أي أساس؟ ولماذا يدفع الناس الكلفة بينما تبقى الامتيازات محصنة فوق النقاش؟
في النهاية، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم مؤسساتها، بل بقدرتها على إقناع مواطنيها بأن العدالة ليست شعاراً انتقائياً، وأن المال العام له حرمة، وأن المنصب العام خدمة لا غنيمة. ومن هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي: من باب التعيين، ومن كشف المعايير، ومن ربط الراتب بالمسؤولية والإنجاز، لا بالاسم والموقع والعلاقة. وما لم يحدث ذلك، سيبقى السؤال مشروعاً، وسيبقى الغضب مفهوماً، وسيبقى المواطن الأردني ينظر إلى بعض الرواتب الفلكية بوصفها عنواناً على خلل لم يعد ممكناً تجاهله.