كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب: هناااااك… قرب شجرة الصفصاف
إستهلال: إربد صيف 1969
كان المكان ما يزال واقفًا في آخر الطريق، كأنه ينتظر أحدًا تأخر كثيرًا.
شجرة الصفصاف العتيقة لم تكبر كثيرًا منذ رحلنا، أو هكذا خُيّل إليّ. كانت أغصانها تتدلى نحو النهر الصغير كما كانت تفعل دائمًا، تمشط الماء بأصابع خضراء حزينة، وتهمس للأمواج بأسرارٍ لا يعرفها سوى العابرين القدامى.
وقفتُ هناك بعد أعوام طويلة، أحمل على كتفيّ عمرًا كاملًا من المدن والوجوه والخيبات. حدّقت في الشجرة، فشعرت أن الزمن لم يكن سوى غبارٍ عالق على نافذة الذاكرة.
هناك…
تمامًا عند الجذر الغائر في التراب، كنتُ أجلس طفلًا إلى جوار أبي. كان يحدثني عن الدنيا التي تتسع أكثر مما تتسع له عيناي الصغيرتان. وهناك أيضًا رسمتُ أول أحلامي على الرمل الرطب، وكتبتُ اسم أمي بعصا صغيرة قبل أن تمحوه الريح.
المكان لا ينسى.
نحن الذين نغادر، ونظن أن الرحيل يطفئ الأشياء. لكن الأماكن تحتفظ بنا كما تحتفظ الأشجار بحلقات أعمارها في أعماق الجذع.
وبينما كنتُ أفتش في زوايا الذاكرة، استحضرتُ تلك اللحظة الغائبة التي ظننتُ أن الزمن ابتلعها إلى الأبد. رأيتها كما كانت تمامًا؛ ابنة الجيران، تمرر أصابعها بين خصلات شعرها في حركة عفوية لا تزال عالقة في وجداني. كانت تعبر الطريق المؤدي إلى هناك بخفة عصفور صغير، وتترك وراءها ابتسامة تكفي لإضاءة نهار كامل.
كنتُ يومها على أبواب العاشرة من العمر، وكانت هي تماثلني سنًا وخيالًا وبراءة. وكانت أجمل لعباتها “شَبْرة أَمْرة… شمس نجوم”، ترددها بصوتها الطفولي فتتحول ساحة الحي إلى عالم من الفرح والدهشة. أتذكر اهتمامها البريء بتفاصيل صغيرة تخصني، ومشاركتها لنا ألعاب المساء تحت ظلال الأشجار، حين كان الزمن يمضي ببطء جميل، وحين كانت الأحلام أكبر من أعمارنا بكثير. مضت السنوات وتبدلت الوجوه والأماكن، لكن صورتها بقيت معلقة في ذاكرة المكان، لا يبهت لونها ولا يطالها النسيان، كأن شجرة الصفصاف نفسها احتفظت بها بين أغصانها، تنتظر عودتي لأراها من جديد.
ولم يكن الوادي غرب إربد العتيقة سوى محطة رحبة لفضاءات أحلامنا الصغيرة. هناك كانت الدنيا تبدو أوسع مما هي عليه، وكانت التلال البعيدة حدودًا لممالك نتخيلها ولا نراها. الوادي بكل تفاصيله ما يزال حاضرًا في الذاكرة؛ مساراته الترابية، وشجيرات العليق البرية، وأصوات العصافير التي كانت تسبقنا إلى الصباح.
وفي أقصى المخيلة كان ينتصب “قصر الغولة”، ذلك القصر الخرافي الذي نسجت حوله حكايات الجدات وأحاديث الصغار. كنا نمر بمحاذاته مسرعين كلما مال النهار نحو المغيب، يملؤنا خوف غامض من أن تدركنا العتمة قبل الوصول إلى بيوتنا. لم نكن نرى فيه سوى أطلال صامتة، لكن خيالنا كان يمنحه أبوابًا موصدة وأسرارًا لا تنتهي. واليوم، بعدما هدأت ضوضاء العمر، أدرك أن القصر لم يكن يسكن الوادي وحده، بل كان يسكن طفولتنا أيضًا؛ رمزًا لذلك المجهول الساحر الذي كان يمنح أيامنا دهشتها الأولى.
وهناك أيضًا، عند أطراف الوادي، كانت ملامح زمن آخر تتداخل مع أحلامنا الصغيرة. أتذكر الضابط العراقي طالب، الذي كان مرابطًا مع فرقته غرب المدينة، يتخذون من كهوف الوادي مقرات لهم. كانت سبطانات المدافع العراقية تمتد صامتة نحو الغرب، نحو الأفق البعيد الذي كان يحمل في الوجدان العربي معنى يتجاوز الجغرافيا.
كان طالب، بهدوئه وهيبته العسكرية، جزءًا من المشهد اليومي لذاكرة المكان، كأنه واحد من تفاصيل الوادي وأسراره. كنا ننظر إلى الجنود ومدافعهم بفضول الصغار ودهشتهم، فيما كانت عيونهم معلقة هناك، حيث فلسطين التي تسكن القلب قبل أن تسكن الخرائط، وحيث الهوى الفلسطيني المحاصر بالاحتلال وأحلام الحرية المؤجلة. ولم نكن نفهم يومها كل شيء، لكننا كنا ندرك أن تلك المدافع الموجهة نحو الغرب كانت تحمل أكثر من الحديد والنار؛ كانت تحمل وجدان أمة كاملة وأحلامها بالعدل والعودة.
اقتربتُ من الصفصاف، ومددتُ يدي ألمس لحاءها الخشن. شعرت كأنني أصافح زمنًا آخر. تذكرت أصوات الأصدقاء الذين تفرقت بهم الدروب، وضحكات الصبا التي كانت ترتفع من هذا الركن تحديدًا ثم تذوب في الهواء.
لم يبقَ أحد.
الوجوه غابت، والبيوت تبدلت، والطريق الترابي صار شارعًا معبدًا. لكن شيئًا واحدًا بقي كما هو: ذلك الإحساس الغامض بأن قطعة من الروح ما تزال معلقة هنا، قرب هذه الشجرة.
جلست تحت ظلها.
كان المساء يهبط ببطء، والضوء الذهبي يتسلل بين الأغصان كرسائل قديمة وصلت متأخرة. أغمضت عينيّ، فسمعت المكان يتكلم.
لم يكن صوتًا حقيقيًا، بل رجع أعمار كاملة تختبئ في الذاكرة. أصوات الراحلين، وقع الخطوات الأولى، رائحة الخبز القادمة من بيت لم يعد موجودًا، وضحكة أمي وهي تناديني للعودة قبل أن يحل الظلام.
فتحت عينيّ.
كان النهر يمضي في طريقه غير عابئ بمن جاء ومن رحل. أما الصفصاف، فبقيت حارسة أمينة لذاكرة المكان، تحفظ الحكايات التي يعجز البشر عن حملها معهم.
نهضت أخيرًا استعدادًا للمغادرة.
التفتُ نحو الشجرة مرة أخيرة، فبدت لي كأنها تلوّح بأغصانها الندية.
ابتسمت وقلت في سري:
“بعض الأمكنة لا نسكنها… بل تسكننا.”
ثم مضيت.
لكنني كنت أعرف أن شيئًا مني سيبقى هناك…
هناااك جدًا…
قرب شجرة الصفصاف.
(تذييل: إربد ، مدينة في شمال الأردن ،تبعد عن القدس المحتلة مسار ساعة ونصف بالسيارة).