كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
العدالة المؤجلة والجباية المستعجلة
في بلادنا، يبدو أن بعض الملفات تسير بسرعة الضوء، فيما تمشي ملفات أخرى على مهل. فعندما يتعلق الأمر بالرسوم والضرائب والمخالفات، تتحرك المؤسسات بكفاءة تُثير الإعجاب، وتصل الفواتير إلى أصحابها في مواعيد تكاد تكون مقدسة. أما حين يتعلق الأمر بالعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتحسين مستوى المعيشة، فإن الزمن نفسه يبدو أقل استعجالًا، وكأن هذه القضايا تحتمل الانتظار إلى أجل غير مسمى.
ولعل ما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته قبل قرون ما يزال صالحًا للتأمل في زماننا، حين ربط بين ازدهار العمران وخفة الأعباء على الناس، وبين تراجع الدول حين تُثقل كاهل الرعية بالمكوس والجبايات. ويُستشهد كثيرًا بمعنى منسوب إليه مفاده أن “الدولة إذا كثرت فيها الجباية شارفت على النهاية”. ورغم اختلاف الصياغات، فإن الفكرة الجوهرية واضحة؛ فالإفراط في التحصيل قد يحقق إيرادًا مؤقتًا، لكنه يضعف النشاط الاقتصادي ويستنزف القدرة الشرائية ويُقلص فرص النمو. فالدولة القوية ليست تلك التي تُحسن جمع المال فقط، بل تلك التي تُحسن خلق الثروة وتوسيع قاعدة المنتجين وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساتها.
المواطن البسيط لا يطلب معجزات اقتصادية، ولا ينتظر أن يستيقظ ذات صباح ليجد نفسه من أصحاب الثروات. كل ما يريده هو شعور منطقي بأن الأعباء موزعة بعدالة، وأن التضحية مطلوبة من الجميع، لا من أصحاب الدخل المحدود وحدهم. لكنه يجد نفسه في كثير من الأحيان الطرف الأكثر التزامًا بالدفع، والأقل قدرة على الاحتمال.
المفارقة أن الحديث عن الإصلاح الاقتصادي غالبًا ما يبدأ من جيب المواطن، وينتهي عند جيب المواطن أيضًا. وبين البداية والنهاية تضيع أسئلة كثيرة: أين تذهب ثمار النمو؟ ومن يستفيد من الامتيازات؟ ولماذا تبقى العدالة الاجتماعية وعدًا متجددًا في كل مرحلة، دون أن تتحول إلى واقع ملموس؟
ليست المشكلة في الجباية بحد ذاتها؛ فالدولة تحتاج إلى الإيرادات لتوفير الخدمات والوفاء بالتزاماتها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الجباية إلى غاية بحد ذاتها، لا إلى وسيلة ضمن رؤية اقتصادية واجتماعية متوازنة. عندها يشعر الناس أن المطلوب منهم أن يدفعوا أكثر، مقابل أمل أقل، وأن يسددوا فاتورة الإصلاح قبل أن يلمسوا نتائجه.
فالاستقرار الحقيقي لا تصنعه أرقام التحصيل وحدها، ولا تُحققه الموازنات المتوازنة على الورق فقط، بل تصنعه الثقة العامة. والثقة لا تُبنى بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما بإحساس المواطنين بأن الدولة تنظر إليهم باعتبارهم شركاء في الوطن، لا مجرد أرقام في دفاتر الإيرادات.
ولهذا تبقى المعضلة قائمة: كيف يمكن إقناع الناس بتحمل المزيد من الأعباء، بينما ما زالت العدالة تنتظر دورها على جدول الأولويات؟ وكيف يمكن الحديث عن عقد اجتماعي متين إذا كانت الجباية مستعجلة دائمًا، فيما العدالة مؤجلة دائمًا؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق إجابة، قبل أي فاتورة جديدة ، تزيد من إرهاق جيوب الناس.