كنانة نيوز –
المسايير والمساتير.. هل ما زلنا نعيش في الأردن نفسه؟
عدنان نصّار
ثمة أسئلة لا تظهر في تقارير المؤسسات الدولية، ولا تعكسها جداول النمو الاقتصادي، لكنها تبقى الأكثر حضورًا في وجدان الناس والأشد التصاقًا بحياتهم اليومية. ومن بين هذه الأسئلة، يبرز سؤال بات يتردد بصمت في البيوت والمقاهي وأماكن العمل وعلى منصات التواصل الاجتماعي: هل ما زلنا نعيش في الأردن نفسه؟
السؤال ليس عن الجغرافيا بالطبع، فالأردن هو الأردن بحدوده وتاريخه ومؤسساته وهويته الوطنية الجامعة. لكنه سؤال عن الواقع الذي يعيشه الناس، وعن المسافة التي أخذت تتسع بين فئات المجتمع، حتى بدا وكأن هناك أردنين يتجاوران في المكان ذاته، لكنهما لا يعيشان الظروف نفسها ولا ينظران إلى المستقبل من الزاوية ذاتها.
في الثقافة الشعبية الأردنية تختصر عبارتا “المسايير” و”المساتير” هذه الحالة بكثافة لافتة. فالأولى تشير إلى الفئات المقتدرة التي تملك خيارات أوسع وفرصًا أكبر، فيما تشير الثانية إلى أولئك الذين يثقلهم عبء المعيشة ويقضون أيامهم في ملاحقة متطلبات الحياة الأساسية. وبين المصطلحين تختبئ حكاية اجتماعية واقتصادية تستحق التوقف عندها بصدق ومسؤولية.
لم يكن الأردن يومًا مجتمعًا بلا تفاوت اقتصادي، فذلك أمر تعرفه كل المجتمعات. غير أن ما كان يميز التجربة الأردنية لعقود طويلة هو وجود طبقة وسطى متماسكة شكلت ركيزة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وكانت الجسر الذي يربط بين مختلف الفئات. هذه الطبقة لم تكن مرفهة، لكنها كانت قادرة على العيش بكرامة، وتأمين التعليم لأبنائها، وبناء مستقبل أفضل من حاضرها.
اليوم تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فتكاليف الحياة ترتفع بوتيرة متسارعة، فيما تبقى دخول شرائح واسعة من المواطنين عاجزة عن ملاحقة هذا الارتفاع. وأصبح كثير من الأردنيين يشعرون أن الجزء الأكبر من دخلهم يذهب لتغطية الاحتياجات الأساسية، دون أن يترك لهم هامشًا للادخار أو التخطيط أو حتى الإحساس بالأمان الاقتصادي.
وما يزيد من حساسية المشهد أن الفجوة لم تعد تقتصر على مستوى الدخل فقط، بل امتدت إلى أنماط الحياة والفرص المتاحة ونوعية الخدمات والقدرة على الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والسكن المناسب. فهناك من يتحدث عن الاستثمار والسفر والتوسع في الأعمال، وهناك من ينشغل بكيفية تدبير إيجار المنزل أو قسط الجامعة أو فاتورة العلاج.
لا أحد يعترض على النجاح أو الثروة أو الاستثمار، فالمجتمعات السليمة تحتاج إلى رجال أعمال ناجحين كما تحتاج إلى اقتصاد قوي قادر على خلق فرص العمل. لكن السؤال الحقيقي يتعلق بمدى شعور المواطن العادي بأن له مكانًا في معادلة التنمية، وأن جهده ما زال قادرًا على تحسين حياته وحياة أبنائه.
غير أن الإنصاف يقتضي القول إن ما يعيشه الأردنيون اليوم ليس نتاج ظروف اقتصادية عالمية فحسب، بل هو أيضًا نتيجة تراكمات داخلية وسياسات اقتصادية امتدت لسنوات طويلة، اعتمدت في كثير من الأحيان على الجباية أكثر من اعتمادها على تحفيز الإنتاج، وعلى زيادة الأعباء أكثر من توسيع الفرص. فالمواطن الذي يواجه ضرائب ورسومًا متزايدة، وارتفاعًا مستمرًا في أسعار السلع والخدمات، لا يبحث عن تفسيرات نظرية بقدر ما يبحث عن أثر ملموس ينعكس على مستوى معيشته وحياته اليومية. وعندما لا يشعر بأن التضحيات التي يقدمها تقابلها نتائج واضحة، تتسع فجوة الثقة بين السياسات المعلنة والواقع المعيش.
والأخطر من ذلك أن الضغوط الاقتصادية المتواصلة لم تعد تستنزف الفئات الفقيرة وحدها، بل أخذت تنال من الطبقة الوسطى التي كانت تاريخيًا صمام الأمان الاجتماعي للدولة. فهذه الطبقة التي حملت أعباء التعليم والعمل والخدمة العامة لعقود، تجد نفسها اليوم أمام تحديات غير مسبوقة، تتراجع قدرتها الشرائية عامًا بعد عام، فيما تتآكل هوامش الأمان التي كانت تملكها. وعندما تبدأ الطبقة الوسطى بالشعور بأنها تنحدر نحو دائرة القلق الاقتصادي بدل أن تتقدم نحو الاستقرار، فإن المسألة تتجاوز الحسابات المالية لتصبح قضية تمس التوازن الاجتماعي ذاته، وتطرح أسئلة جدية حول العدالة في توزيع الأعباء والعوائد داخل المجتمع.
المشكلة تبدأ عندما تتراجع الثقة بإمكانية الصعود الاجتماعي، وعندما يشعر الشاب أن شهادته لم تعد تضمن فرصة، وأن العمل الجاد وحده لم يعد كافيًا لتحقيق الاستقرار الذي كان متاحًا لأجيال سابقة. عندها لا تصبح القضية قضية أرقام أو مؤشرات اقتصادية فحسب، بل قضية شعور عام بالعدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص.
الدول لا تقاس فقط بمعدلات النمو أو بحجم الاستثمارات، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على توازنها الاجتماعي، وعلى ضمان ألا تتحول الفوارق الاقتصادية إلى حواجز نفسية واجتماعية تفصل بين أبناء الوطن الواحد. فاستقرار المجتمعات يبدأ من شعور مواطنيها بأنهم شركاء في الفرصة كما هم شركاء في الأعباء.
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس الفقر بحد ذاته، بل اتساع الإحساس بالفجوة بين الناس، وتراجع الأمل بإمكانية تجاوزها. فحين يفقد المواطن ثقته بأن الغد قد يكون أفضل، تتآكل تدريجيًا إحدى أهم ركائز الاستقرار الوطني.
لهذا فإن الحديث عن “المسايير والمساتير” ليس ترفًا لغويًا ولا توصيفًا شعبويًا عابرًا، بل محاولة لقراءة تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة تستحق النقاش والمعالجة. فالأردن الذي نريده جميعًا هو الأردن الذي تتاح فيه الفرص للجميع، ويحفظ كرامة العامل والمتقاعد والموظف والشاب الباحث عن عمل، ويمنح أبناءه شعورًا حقيقيًا بأنهم ينتمون إلى وطن واحد ومستقبل واحد.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي تجاهله: كم أردنًا نريد داخل الأردن الواحد؟ فالدول لا تُقاس بعدد الأبراج التي ترتفع في سمائها، بل بعدد المواطنين الذين يشعرون أن لهم مكانًا تحت هذه السماء. وبين المسايير والمساتير لا يحتاج الأردنيون إلى خطابات جديدة بقدر ما يحتاجون إلى سياسات تعيد ترميم الثقة، وتضيق الفجوة، وتحفظ للناس حقهم في الأمل. فالأوطان لا يهددها الفقر وحده، بل يهددها أيضًا شعور الناس بأن العدالة أصبحت أبعد من متناولهم، وأن المسافة بينهم وبين حياة كريمة تكبر كل يوم. هنا تحديدًا يصبح السؤال مشروعًا ومؤلمًا في آن واحد: هل ما زلنا نعيش في الأردن نفسه..سؤال يحمل فائض من الألم.؟
كاتب وصحفي أردني