كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
السياسي الأردني في مرآة الشارع… لماذا تراجعت الهيبة؟
في الأردن، لم تعد صورة السياسي تمرّ في الوعي الشعبي كما كانت في عقود مضت. شيءٌ ما تغيّر في المزاج العام، أو ربما في التجربة المتراكمة التي جعلت المواطن الأردني ينظر إلى كثيرٍ ممّن تصدّروا المشهد السياسي والإداري بعينٍ مختلفة؛ عينٍ أكثر حذرًا، وأقلّ تصديقًا، وربما أكثر قسوة أيضًا.
الناس هنا لا تُعادي السياسة، لكنها تُرهَق من تكرار الوجوه ذاتها، ومن تدوير الأسماء ذاتها، ومن الخطابات التي تبدأ بالوعود وتنتهي بتبرير العجز. وحين يصبح الفارق كبيرًا بين ما يُقال وما يُعاش، تنشأ فجوة صامتة بين الشارع والنخب السياسية، تتسع عامًا بعد عام، حتى تتحوّل إلى حالة من الشك الشعبي العميق.
النظرة الشعبية الأردنية تجاه ما يُسمّى بالنخب السياسية ليست واحدة بطبيعة الحال، لكنها في السنوات الأخيرة أصبحت تميل إلى التشكيك أكثر من الإيمان، وإلى المحاسبة أكثر من التصفيق. كثيرون باتوا يرون أن بعض النخب لم تعد تعبّر عن الناس بقدر ما أصبحت تعبّر عن مصالحها أو عن شبكات النفوذ التي تحيط بها، فيما بقي المواطن يواجه وحده ضغوط الحياة اليومية؛ من ارتفاع الأسعار، إلى تآكل القدرة الشرائية، إلى شعورٍ عام بأن الأعباء تتزايد بينما الإجابات تتراجع.
في المقاهي الشعبية، وفي جلسات البيوت، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، يتكرّر السؤال ذاته: من يتحدث باسم الناس فعلًا؟ ومن يشعر بما يعيشه المواطن البسيط حين يقف عاجزًا أمام فاتورة كهرباء، أو أقساط مدرسة، أو احتياجات بيت تتضاعف فيما الراتب يراوح مكانه؟
ولعلّ أحد أكثر التحولات وضوحًا في المشهد الأردني خلال السنوات الأخيرة، يتمثل في تراجع هيبة السياسي التقليدي وفقدان كثير من رموز النخب السياسية قدرتهم على التأثير الحقيقي في المزاج الشعبي. فبعد أن كان اسم السياسي يملك وزنًا معنويًا وحضورًا يثير النقاش أو الاحترام أو حتى الاختلاف، بات كثير من المواطنين يتعاملون مع الخطاب السياسي بشيء من اللامبالاة أو التشكيك، نتيجة تراكم التجارب غير المقنعة، واتساع الفجوة بين الوعد والإنجاز.
لم يعد السياسي في نظر قطاعات واسعة قادرًا على تشكيل الرأي العام كما في السابق، خصوصًا مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت احتكار المنابر، وأتاحت للناس أن تُعبّر مباشرة عن غضبها وأسئلتها، وأن تُخضع الشخصيات العامة لمحكمة الرأي الشعبي بصورة غير مسبوقة. فحين تغيب النتائج الملموسة، وتتكرر الأسماء ذاتها في المشهد، يصبح فقدان التأثير أمرًا طبيعيًا، لا بسبب تغير الناس فقط، بل بسبب عجز بعض النخب عن تجديد أدواتها، أو إعادة بناء جسور الثقة مع المجتمع.
ولم يقتصر تراجع الهيبة على بعض الشخصيات التنفيذية أو الوزراء فقط، بل امتدّ في نظر قطاعات واسعة من الأردنيين إلى المؤسسة النيابية ذاتها، التي كانت يومًا ما تُشكّل مساحة أمل وصوتًا قادرًا على حمل هموم الناس تحت القبة. فالكثير من المواطنين باتوا ينظرون إلى الأداء النيابي بقدرٍ من التساؤل أو الإحباط، خصوصًا حين يشعرون بأن بعض المجالس لم تعد تملك ذلك الأثر الرقابي أو التشريعي الذي يلامس قضاياهم اليومية بصورة ملموسة. وربما لا تكمن المشكلة في وجود المؤسسة أو ضرورتها الوطنية، بقدر ما تكمن في تراجع الصورة الذهنية للنائب القادر على التأثير، والدفاع عن أولويات الناس، وفرض حضورٍ يبعث على الثقة لا على التساؤلات. فحين يشعر المواطن أن صوته لم يعد يصل كما كان يتوقع، تتراجع الهيبة المعنوية تلقائيًا، لا بفعل النقد وحده، بل بفعل المسافة التي تكبر بين التمثيل والتوقعات الشعبية.
وربما هنا يبرز سؤالٌ مشروع يتردّد كثيرًا في الشارع الأردني، وإن قيل أحيانًا بصوتٍ خافت: هل حقًا توجد في الأردن نخب سياسية بالمعنى العميق للكلمة؛ نخب تمتلك مشروعًا ورؤية وقدرة على التأثير وصناعة الفارق؟ أم أننا أمام أصواتٍ اعتادت الظهور عند المنعطفات، تبحث عن فرصة في المشهد أكثر مما تبحث عن دورٍ في صناعة التحوّل؟ سؤالٌ قد يبدو قاسيًا للبعض، لكنه يعكس حجم المراجعة الشعبية لصورة النخبة ذاتها، بعدما أصبح المواطن أكثر ميلًا للحكم على النتائج لا الخطابات، وعلى الأثر لا الحضور الإعلامي.
المشكلة ربما لا تكمن في وجود النخب بحدّ ذاته؛ فكل الدول تحتاج إلى نخب سياسية وفكرية وإدارية تقود وتخطط وتبني. لكن الأزمة تبدأ حين تتحوّل النخبة إلى طبقة مغلقة، تتحدث بلغة مختلفة عن لغة الناس، وتعيش واقعًا مختلفًا عن واقعهم، فتفقد تدريجيًا قدرتها على الإقناع، قبل أن تفقد قدرتها على التأثير.
الأردنيون بطبيعتهم ليسوا شعبًا عدميًا، ولا هواة إسقاط أو جلدٍ جماعي للمؤسسات، بل هم شعب يمتلك قدرًا كبيرًا من الصبر والانتماء والإحساس العالي بالدولة. لكن هذا الصبر ذاته يحتاج بين حين وآخر إلى إشارات ثقة، وإلى نماذج سياسية يشعر الناس بأنها تشبههم، تسمعهم، وتقترب من وجعهم الحقيقي، لا أن تكتفي بإدارة المشهد من خلف زجاجٍ بارد.
ربما آن الأوان لإعادة تعريف معنى «النخبة السياسية» في الوعي الأردني؛ بحيث لا تكون مرتبطة بالموقع أو اللقب أو الحضور الإعلامي فقط، بل بالكفاءة، والنزاهة، والقدرة على ملامسة هموم الناس، والجرأة في الاعتراف بالأخطاء قبل البحث عن المبررات.
فالناس لا تطلب المعجزات، لكنها تريد صدقًا أكثر، ومكاشفةً أعمق، وشعورًا بأن من يتحدث باسمها يعيش بعضًا من تفاصيل تعبها اليومي.
وفي النهاية، قد تكون أخطر أزمة تواجه أي نخبة سياسية ليست المعارضة، بل فقدان الثقة الشعبية؛ لأن الشعوب حين تفقد ثقتها، لا تصرخ دائمًا… أحيانًا تكتفي بالصمت، والصمت في السياسة ليس دائمًا علامة رضا، بل قد يكون بداية سؤالٍ كبير لم يجد بعدُ من يُجيب عنه.
