كنانة نيوز –
عدنان نصّاريكتب:
إيران تضرب إسرائيل مُباغتةً… هل تغيّرت قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط؟
لم يكن المشهد عابرًا، ولا يمكن وضعه في خانة الردود التقليدية التي اعتادت المنطقة سماع صداها ثم عودتها إلى صمتٍ مؤقت. فالضربة الإيرانية المباغتة لإسرائيل بدت أقرب إلى إعلانٍ سياسي وعسكري بأنّ الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة، تختلف في أدواتها وحساباتها عمّا عرفناه خلال العقود الماضية.
منطقةٌ أنهكتها الحروب، واعتادت إدارة صراعاتها عبر الوسطاء والحلفاء والرسائل غير المباشرة، تبدو اليوم وكأنها تقف على حافة تحوّل استراتيجي عنوانه الأبرز: الانتقال من “حروب الظل” إلى مواجهة أكثر مباشرة، وإن بقيت حتى الآن تحت سقف الحسابات الدقيقة.
إيران، التي لطالما فضّلت إدارة صراعاتها عبر الحلفاء أو عبر النفوذ السياسي والعسكري غير المباشر، خرجت هذه المرة من المنطقة الرمادية إلى مساحة أكثر وضوحًا. ليس بالضرورة بحثًا عن حرب شاملة، بقدر ما يبدو محاولةً لإيصال رسالة واضحة مفادها أنّ استهداف مصالحها أو حلفائها لن يبقى بلا ثمن، وأنّ قواعد الردع القديمة لم تعد كافية لضبط إيقاع الصراع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا الآن؟
قد تكون الإجابة مرتبطة بجملة من العوامل المتشابكة. فمن جهة، هناك شعور إيراني متزايد بأنّ إسرائيل ذهبت بعيدًا في استهداف النفوذ الإيراني في الإقليم، سواء عبر الضربات الأمنية والعسكرية، أو من خلال توسيع نطاق الاشتباك في أكثر من ساحة. ومن جهة أخرى، تبدو طهران بحاجة إلى تأكيد حضورها الإقليمي وإظهار قدرتها على الرد، في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.
ولعلّ الإمعان الإجرامي من قبل الاحتلال الإسرائيلي في لبنان كان أحد أبرز الأسباب التي دفعت إيران إلى الخروج عن صمتها. فلبنان الذي يدفع منذ أشهر أثمانًا إنسانية باهظة للحرب، يعيش واحدة من أكثر مراحله قسوة وإيلامًا؛ إذ تشير الأرقام المتداولة إلى سقوط ما يقارب أربعة آلاف شهيد، وأكثر من أحد عشر ألف جريح، إلى جانب نزوح ما يزيد على نصف مليون مواطن من المناطق الحدودية، في مشهد إنساني مأساوي عمّق أصلًا الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها البلد.
وربما رأت طهران أنّ استمرار هذا النزيف الإنساني، واتساع رقعة الدمار، لم يعد يسمح بسياسة الانتظار أو الاكتفاء بالمواقف السياسية، وأنّ التدخل ـ ولو عبر رسالة عسكرية مباشرة ـ قد يشكل محاولة لوقف العدوان على لبنان أو إعادة رسم حدود الاشتباك ومنع انهيار المشهد نحو مواجهة أكثر اتساعًا.
وفي الحسابات الإيرانية، فإنّ ترك المشهد اللبناني يزداد اشتعالًا دون ردّ واضح قد يُفهم باعتباره تراجعًا عن التزامات سياسية وأمنية تجاه الحلفاء، وهو ما قد يترك آثارًا عميقة على ميزان النفوذ الإقليمي الذي عملت طهران على بنائه لسنوات.
لكن في المقابل، لا تبدو إسرائيل بعيدة عن حسابات التصعيد أيضًا. فالحكومة الإسرائيلية، التي تواجه تحديات داخلية وضغوطًا سياسية وأمنية متزايدة، تدرك أنّ إظهار الحزم العسكري يُستخدم غالبًا لترميم صورة الردع وتعزيز التماسك الداخلي. ولهذا تُقرأ أي ضربة إيرانية مباشرة في تل أبيب بوصفها اختبارًا لقدرة المؤسسة العسكرية ومنظومات الدفاع على التعامل مع حرب متعددة الجبهات.
أما النتائج، فهي تتجاوز المشهد العسكري المباشر. أولى النتائج تتمثل في كسر حاجز “المواجهة المؤجلة” بين إيران وإسرائيل؛ إذ باتت فكرة الاشتباك المباشر أكثر حضورًا من أي وقت مضى. أما النتيجة الثانية، فهي إدخال المنطقة بأسرها في دائرة احتمالات مفتوحة، حيث يمكن لخطأ في الحسابات، أو لصاروخ يخطئ هدفه، أن يشعل مواجهة لا تبدو أي دولة مستعدة لتحمّل كلفتها.
اقتصاديًا، لا تبدو الصورة أقلّ قلقًا. فكل تصعيد عسكري ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، والاستثمارات، وحركة التجارة، ويزيد من الضغوط على شعوب المنطقة التي تعيش أصلًا أوضاعًا اقتصادية صعبة. وفي الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين، تتضاعف المخاوف لأنّ الحروب لا تتوقف آثارها عند الحدود، بل تمتدّ إلى موائد الناس وحياتهم اليومية وأمنهم الاجتماعي.
في النهاية، قد لا تكون الضربة الإيرانية بداية حرب شاملة، وربما تبقى ضمن إطار “الرد المحسوب” ومحاولة إعادة تثبيت معادلات الردع. لكنّ المؤكد أنّ الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها المفاجآت مستبعدة، ولم تعد الحسابات القديمة كافية لفهم ما يجري.
فالمنطقة التي تعيش فوق صفيحٍ ساخن منذ عقود، تبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة إعادة رسم التوازنات… لحظة قد تبدأ بصاروخ، لكن أحدًا لا يعرف أين يمكن أن تنتهي.
لم يكن المشهد عابرًا، ولا يمكن وضعه في خانة الردود التقليدية التي اعتادت المنطقة سماع صداها ثم عودتها إلى صمتٍ مؤقت. فالضربة الإيرانية المباغتة لإسرائيل بدت أقرب إلى إعلانٍ سياسي وعسكري بأنّ الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة، تختلف في أدواتها وحساباتها عمّا عرفناه خلال العقود الماضية.
منطقةٌ أنهكتها الحروب، واعتادت إدارة صراعاتها عبر الوسطاء والحلفاء والرسائل غير المباشرة، تبدو اليوم وكأنها تقف على حافة تحوّل استراتيجي عنوانه الأبرز: الانتقال من “حروب الظل” إلى مواجهة أكثر مباشرة، وإن بقيت حتى الآن تحت سقف الحسابات الدقيقة.
إيران، التي لطالما فضّلت إدارة صراعاتها عبر الحلفاء أو عبر النفوذ السياسي والعسكري غير المباشر، خرجت هذه المرة من المنطقة الرمادية إلى مساحة أكثر وضوحًا. ليس بالضرورة بحثًا عن حرب شاملة، بقدر ما يبدو محاولةً لإيصال رسالة واضحة مفادها أنّ استهداف مصالحها أو حلفائها لن يبقى بلا ثمن، وأنّ قواعد الردع القديمة لم تعد كافية لضبط إيقاع الصراع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا الآن؟
قد تكون الإجابة مرتبطة بجملة من العوامل المتشابكة. فمن جهة، هناك شعور إيراني متزايد بأنّ إسرائيل ذهبت بعيدًا في استهداف النفوذ الإيراني في الإقليم، سواء عبر الضربات الأمنية والعسكرية، أو من خلال توسيع نطاق الاشتباك في أكثر من ساحة. ومن جهة أخرى، تبدو طهران بحاجة إلى تأكيد حضورها الإقليمي وإظهار قدرتها على الرد، في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.
ولعلّ الإمعان الإجرامي من قبل الاحتلال الإسرائيلي في لبنان كان أحد أبرز الأسباب التي دفعت إيران إلى الخروج عن صمتها. فلبنان الذي يدفع منذ أشهر أثمانًا إنسانية باهظة للحرب، يعيش واحدة من أكثر مراحله قسوة وإيلامًا؛ إذ تشير الأرقام المتداولة إلى سقوط ما يقارب أربعة آلاف شهيد، وأكثر من أحد عشر ألف جريح، إلى جانب نزوح ما يزيد على نصف مليون مواطن من المناطق الحدودية، في مشهد إنساني مأساوي عمّق أصلًا الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها البلد.
وربما رأت طهران أنّ استمرار هذا النزيف الإنساني، واتساع رقعة الدمار، لم يعد يسمح بسياسة الانتظار أو الاكتفاء بالمواقف السياسية، وأنّ التدخل ـ ولو عبر رسالة عسكرية مباشرة ـ قد يشكل محاولة لوقف العدوان على لبنان أو إعادة رسم حدود الاشتباك ومنع انهيار المشهد نحو مواجهة أكثر اتساعًا.
وفي الحسابات الإيرانية، فإنّ ترك المشهد اللبناني يزداد اشتعالًا دون ردّ واضح قد يُفهم باعتباره تراجعًا عن التزامات سياسية وأمنية تجاه الحلفاء، وهو ما قد يترك آثارًا عميقة على ميزان النفوذ الإقليمي الذي عملت طهران على بنائه لسنوات.
لكن في المقابل، لا تبدو إسرائيل بعيدة عن حسابات التصعيد أيضًا. فالحكومة الإسرائيلية، التي تواجه تحديات داخلية وضغوطًا سياسية وأمنية متزايدة، تدرك أنّ إظهار الحزم العسكري يُستخدم غالبًا لترميم صورة الردع وتعزيز التماسك الداخلي. ولهذا تُقرأ أي ضربة إيرانية مباشرة في تل أبيب بوصفها اختبارًا لقدرة المؤسسة العسكرية ومنظومات الدفاع على التعامل مع حرب متعددة الجبهات.
أما النتائج، فهي تتجاوز المشهد العسكري المباشر. أولى النتائج تتمثل في كسر حاجز “المواجهة المؤجلة” بين إيران وإسرائيل؛ إذ باتت فكرة الاشتباك المباشر أكثر حضورًا من أي وقت مضى. أما النتيجة الثانية، فهي إدخال المنطقة بأسرها في دائرة احتمالات مفتوحة، حيث يمكن لخطأ في الحسابات، أو لصاروخ يخطئ هدفه، أن يشعل مواجهة لا تبدو أي دولة مستعدة لتحمّل كلفتها.
اقتصاديًا، لا تبدو الصورة أقلّ قلقًا. فكل تصعيد عسكري ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، والاستثمارات، وحركة التجارة، ويزيد من الضغوط على شعوب المنطقة التي تعيش أصلًا أوضاعًا اقتصادية صعبة. وفي الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين، تتضاعف المخاوف لأنّ الحروب لا تتوقف آثارها عند الحدود، بل تمتدّ إلى موائد الناس وحياتهم اليومية وأمنهم الاجتماعي.
في النهاية، قد لا تكون الضربة الإيرانية بداية حرب شاملة، وربما تبقى ضمن إطار “الرد المحسوب” ومحاولة إعادة تثبيت معادلات الردع. لكنّ المؤكد أنّ الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها المفاجآت مستبعدة، ولم تعد الحسابات القديمة كافية لفهم ما يجري.
فالمنطقة التي تعيش فوق صفيحٍ ساخن منذ عقود، تبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة إعادة رسم التوازنات… لحظة قد تبدأ بصاروخ، لكن أحدًا لا يعرف أين يمكن أن تنتهي.
