كنانة نيوز –
الأردنيون وتعبُ التفاصيل… هل تسمع الحكومة؟
عدنان نصّار
في الأردن، لا يشتكي الناس كثيرًا كما يظن البعض، وربما لهذا السبب تبدو الحكاية أكثر تعقيدًا. فالأردني، بطبعه، اعتاد أن يُخبئ وجعه في جيبه، وأن يواصل يومه بأقلّ ما يمكن من الضجيج، مؤمنًا بأن البلاد مرّت بأيام أصعب، وأن الصبر ـ مهما طال ـ يبقى جزءًا من الحكاية الوطنية.
لكن ما لا يُقال أحيانًا، يكون أكثر خطورةً مما يُقال.
في المقاهي الشعبية، وفي سيارات الأجرة، وعلى أبواب المحال التجارية، وفي الأحاديث العابرة بين الموظفين والمتقاعدين، وحتى في دور العبادة خلال ذلك الفاصل الزمني القصير بعد انتهاء الفرض، حيث تتقاطع التحيات مع هموم الحياة اليومية، لا يبدو الحديث اليوم سياسيًا بقدر ما هو معيشي، ولا احتجاجيًا بقدر ما هو مُثقَلٌ بالتعب. الناس لا تناقش النظريات الكبرى، بل تفاصيل الحياة الصغيرة؛ فاتورة كهرباء أثقلت القلب قبل الجيب، راتب يتبخر قبل منتصف الشهر، وأسئلة مؤجلة عن الغد لا تجد جوابًا واضحًا.
وربما هنا تحديدًا، تبدأ المسافة الحساسة بين الحكومة والشارع.
ليست المشكلة دائمًا في القرارات وحدها، بل في شعور الناس بأن صوتهم لا يصل كما ينبغي، وأن همومهم اليومية تُقرأ أحيانًا بلغة الأرقام، بينما يعيشها المواطن بلغة القلق والخوف على المستقبل. فبينما تتحدث الحكومات عن مؤشرات اقتصادية وخطط إصلاح، يبحث المواطن عن طمأنينة بسيطة تقول له إن القادم أقل قسوةً مما مضى.
لا أحد يطلب المعجزات من حكومة تعمل وسط ظروف إقليمية واقتصادية معقدة، ولا يمكن إنكار حجم الضغوط التي تواجه الدولة في محيطٍ ملتهب وحسابات اقتصادية صعبة. لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا تجاهل حقيقة أن العلاقة بين المواطن والحكومة لا تُبنى فقط على القرارات، بل على الإحساس بالشراكة، وعلى شعور الناس بأن هناك من يسمع تعبهم قبل أن يطلب منهم مزيدًا من الصبر.
في أحيان كثيرة، لا يغضب الشارع الأردني بصوت مرتفع… بل يصمت. غير أن الصمت هنا لا يعني الرضا دائمًا، بل قد يكون تعبيرًا عن تعبٍ طويل، أو انتظارٍ ممتد، أو إحساسٍ بأن الكلام لم يعد يُحدث فرقًا كما كان.
وهنا تحديدًا، يصبح الإصغاء ضرورةً سياسية لا ترفًا إداريًا.
الحكومة اليوم لا تحتاج فقط إلى شرح قراراتها، بل إلى الاقتراب أكثر من نبض الناس، إلى الاستماع لما وراء الكلمات، وإلى قراءة المزاج العام بعيدًا عن التقارير الجامدة. فالمواطن لا يريد خطابات مطمئنة بقدر ما يريد إشارات ملموسة تُعيد إليه شعور الثقة، وتؤكد أن تفاصيل حياته اليومية ليست هامشًا في أولويات القرار.
الأردنيون لم يعتادوا المبالغة في المطالب، ولم يكونوا يومًا دعاة فوضى أو قطيعة مع الدولة، لكنهم ـ كأي شعبٍ أنهكه الانتظار ـ يريدون أن يشعروا بأن أحدًا يسمع، ويفهم، ويُقدّر هذا التعب الصامت.
لأن الأوطان لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، بل أيضًا بقدرتها على الإصغاء… قبل أن يصبح تعبُ التفاصيل قضيةً أكبر من التفاصيل نفسها.