كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
الجريمة في الأردن… حين يصبح الأمن مطلبًا يوميًا لا شعارًا موسميًا كيف؟ ولماذا؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟
كان الأردني، حتى وقتٍ قريب، يتباهى أمام العالم بشيءٍ لا يُشترى بالمال ولا يُستورد عبر الحدود: الأمان.
ففي بلدٍ أثقلته الجغرافيا السياسية، وأحاطت به النيران من جهاتٍ عدة، بقيت البيوت تُغلق متأخرة، والأمهات يطمئنن على أبنائهن بقلوب أقل خوفًا، وكان الناس يقولون بفخر: «قد نختلف على كل شيء… لكننا نعيش بأمان».
اليوم، تبدو هذه الجملة وكأنها تُقال بتردد أكثر من السابق.
فكلما وقعت جريمة مروّعة، أو حادثة اعتداء، أو انتشر مقطع مصوّر يثير الرعب والغضب في الشارع الأردني، يعود السؤال الثقيل إلى الواجهة: ماذا يحدث؟ وكيف وصلنا إلى هنا؟ ولماذا يشعر المواطن أحيانًا أن الخوف بات يزاحمه حتى في تفاصيل يومه العادي؟
قد يقول البعض إن الجرائم موجودة في كل دول العالم، وإن الأردن ما يزال أكثر أمنًا من كثير من الدول المحيطة، وهذا صحيح نسبيًا. لكن الشعوب لا تُقارن دائمًا بالأسوأ، بل بما كانت عليه، وبما تتوقعه من دولتها، وبذلك الحد الأدنى من الطمأنينة الذي يجعل الإنسان يشعر أن بيته وشارعه ومدينته مساحة آمنة لا مصدرًا للقلق.
المشكلة ليست فقط في وقوع الجريمة، بل في تكرار الإحساس بالعجز أمامها.
حين يشعر المواطن أن المجرم قد يعود سريعًا إلى الشارع، أو أن بعض الأشخاص المعروفين بإثارة المشكلات وبثّ الخوف ما زالوا يشكلون مصدر قلق داخل الأحياء، يبدأ الإحساس المجتمعي بالاهتزاز. هنا لا يعود الحديث عن حادثة فردية، بل عن ثقة المواطن بمنظومة الحماية والعدالة.
فالمواطن البسيط لا يبحث عن نقاشات قانونية معقدة بقدر ما يبحث عن شعور واضح ومباشر بأن القانون حاضر، وأن من يهدد أمن المجتمع أو يمارس الترهيب والعنف لن يبقى مصدر خوف دائم للناس.
ولا يمكن الحديث عن الجريمة بمعزل عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة.
فحين يضيق العيش، وتتآكل القدرة الشرائية، وتتراكم الالتزامات المعيشية، وتزداد البطالة، ويشعر الشباب بأن الطريق إلى المستقبل أكثر غموضًا من أي وقت مضى، تصبح المجتمعات أكثر هشاشة أمام العنف والانفجار الاجتماعي. صحيح أن الفقر لا يصنع مجرمًا بالضرورة، لكنه قد يخلق بيئة خصبة لليأس والغضب والانحراف إذا غابت الحماية الاجتماعية والفرص الحقيقية.
ثم تأتي آفة المخدرات بوصفها أحد أخطر الأبواب التي تهدد استقرار المجتمع، ليس فقط باعتبارها مشكلة صحية أو قانونية، بل لما تتركه من آثار مباشرة على السلوك العنيف والتفكك الأسري والجرائم المرتبطة بالإدمان والابتزاز والاعتداء.
لكن، وفي خضم هذا النقاش، لا بد من طرح سؤالٍ صريح:
من يتحمّل المسؤولية؟
هل هي مسؤولية الحكومة وحدها؟ أم الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم الإعلام؟ أم المجتمع بأسره؟
الحقيقة التي قد لا تعجب البعض أن المسؤولية مشتركة، لكنها ليست متساوية.
فالدولة تتحمّل العبء الأكبر حين يتعلق الأمر بحماية الناس وفرض سيادة القانون. والمواطن من حقه الطبيعي أن يشعر أن هناك حضورًا حازمًا للقانون تجاه من يعتدي على أمن المجتمع أو يزرع الخوف في نفوس الناس.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى تعزيز سياسات الردع القانوني تجاه الجرائم المتكررة والعنيفة، ومواجهة كل من يثبت تورطه المستمر في تهديد السلم المجتمعي أو ممارسة الترهيب أو الاعتداء، ضمن إطار العدالة وسيادة القانون، بما يحفظ أمن الناس ويمنح المجتمع شعورًا حقيقيًا بالحماية.
لكن العدالة أيضًا تقتضي التفريق بين من أخطأ ثم أصلح نفسه، وبين من يحوّل الجريمة إلى أسلوب حياة. فليس كل صاحب سابقة مجرمًا إلى الأبد، غير أن من يكرر الأذى ويصرّ على تهديد الناس، يجب أن يواجه القانون بحزم يمنع تكرار الضرر.
وفي المقابل، لا يمكن للمجتمع أن يكتفي بالمطالبة بالعقاب فقط، فيما تبقى الأسباب الحقيقية قائمة: مدارس تراجعت أدوار بعضها التربوية، أسر تواجه ضغوطًا اقتصادية ونفسية هائلة، بطالة تُثقل الشباب، ومحتوى رقمي مفتوح أحيانًا على العنف والتشوهات السلوكية.
الأخطر من كل ذلك، ذلك الشعور الذي بدأ يتسلل إلى بعض البيوت والأحاديث اليومية؛ حين يتحول الغضب إلى كلمات قاسية تُقال سرًا، وربما علنًا، تعبيرًا عن الإحباط والخوف وفقدان الإحساس بالأمان.
وهنا يجب أن نتوقف بصدق.
فالمواطن حين يغضب من واقعه الأمني لا يعني بالضرورة أنه يسيء إلى وطنه، بل ربما لأنه يريد وطنًا أكثر قدرة على طمأنته، وأكثر قوة في حماية أبنائه.
إن هيبة الدولة لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة المواطن على السير مطمئنًا، وقدرة الأم على انتظار ابنها دون خوف، وقدرة الناس على الشعور بأن القانون أسرع من القلق وأقوى من الفوضى.
الأردن، الذي عبر أزماتٍ كبرى وظل واقفًا، يستحق أن تبقى صورته كما عرفها أبناؤه: بلدًا آمنًا لا يُساوم على أمن الناس، ولا يسمح للخوف أن يتحول إلى ضيف دائم في البيوت.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع:
هل ما زلنا نعالج الجريمة بعد وقوعها… أم أن الوقت قد حان لحماية المجتمع قبل أن يصبح الخوف عادة يومية؟