كنانة نيوز –
عدنان نصّار يكتب:
الأردن.. حين تصبح الأسئلة امتحانًا سياسيًا… أين يقف حزب الإصلاح؟
لم تعد تصريحات أمين عام حزب الإصلاح وعضو مجلس النواب الأردني مصطفى العماوي مجرّد حدثٍ عابر داخل قبة البرلمان، بل تحوّلت إلى اختبارٍ سياسي وأخلاقي أمام الرأي العام، بعد ما أُثير من حديثٍ عن ملفات تتعلق بفساد وإنفاق مالي واسع، في توقيت اقتصادي بالغ الحساسية والدقة.
لكن جوهر القضية لم يعد مرتبطًا بشخصٍ واحد، بقدر ما بات يتجه مباشرة نحو الحزب نفسه، الذي يملك حضورًا نيابيًا بثمانية مقاعد داخل مجلس النواب الأردني. فالسؤال الذي يتقدم على غيره اليوم هو: هل نحن أمام موقف فردي داخل مؤسسة حزبية؟ أم أمام بداية موقف سياسي منظم يعكس رؤية كتلة برلمانية كاملة؟
* من التصريح إلى الاختبار السياسي
في السياسة، لا تُقاس الأهمية بحدة التصريحات وحدها، بل بما تخلّفه من مسار لاحق. فالتصريح قد يثير الجدل ليوم أو يومين، لكنه سرعان ما يتحول إلى اختبار حقيقي عندما يُطلب من الكتلة السياسية أن تترجمه إلى فعل مؤسسي داخل البرلمان.
وهنا تحديدًا يقف حزب الإصلاح أمام لحظة فارقة:
هل سيبقى ما طُرح في إطار موقف الأمين العام، أم يتحول إلى مشروع رقابي متكامل تتبناه الكتلة النيابية؟
فالفرق كبير بين خطابٍ سياسي يُقال في لحظة انفعال أو مواجهة، وبين مسار برلماني يبدأ من السؤال وينتهي عند لجان تحقيق ومساءلة واضحة.
الشارع… من الإنصات إلى المطالبة
في الشارع الأردني، لم تعد القضايا المرتبطة بالمال العام تُقرأ كأخبار سياسية عابرة، بل كجزء من حياة يومية مثقلة بالضغوط الاقتصادية. ارتفاع الأسعار، تراجع القدرة الشرائية، وتزايد معدلات البطالة، كلها عوامل جعلت المزاج العام أكثر حساسية تجاه أي حديث عن المال العام أو شبهات الفساد.
ولهذا، لم يعد المواطن معنيًا بتفاصيل الخطاب السياسي بقدر ما هو معني بسؤال واحد مباشر: ماذا بعد؟
هل ستتحول هذه التصريحات إلى أسئلة نيابية رسمية داخل المجلس؟
هل ستُفتح الملفات أمام لجان تحقيق شفافة؟
أم أن الأمر سيتوقف عند حدود الضجة الإعلامية التي تخفت تدريجيًا مع الوقت؟
* بين موقع المعارضة ومسؤولية الفعل
الأحزاب السياسية، بطبيعتها، تُختبر في قدرتها على الانتقال من موقع الاعتراض إلى موقع الفعل الرقابي. فالمعارضة ليست مجرد خطاب، بل ممارسة داخل المؤسسات، تُقاس بمدى الجدية في متابعة الملفات حتى نهايتها، لا الاكتفاء بإثارتها.
حزب الإصلاح، بوصفه قوة نيابية ذات حضور واضح، أمام اختبار مزدوج:
اختبار المصداقية أمام جمهوره، واختبار الفاعلية داخل البرلمان.
فالناس لا تنتظر خطابات قوية بقدر ما تنتظر نتائج ملموسة:
من المسؤول؟
كيف صُرفت الأموال؟
وأين مكامن الخلل؟
وهل يمكن أن تصل المحاسبة إلى أي موقع كان؟
هذه الأسئلة ليست سياسية فقط، بل هي أسئلة ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
لحظة لا تحتمل الرمادية
المشهد السياسي اليوم لا يمنح مساحة كبيرة للمنطقة الرمادية. فإما أن تتحول القضايا المثارة إلى مسار رقابي واضح داخل البرلمان، أو تبقى ضمن دائرة التصريحات التي تستهلكها الأخبار ثم تتلاشى.
وفي الحالتين، فإن ما يترتب على ذلك لا يخص حزبًا بعينه فقط، بل ينعكس على صورة الحياة السياسية برمتها، وعلى ثقة المواطن بجدوى العمل الحزبي والنيابي.
لذلك، فإن الكرة لم تعد في ملعب الحكومة وحدها، بل باتت أيضًا في ملعب الكتل النيابية والأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب الإصلاح، بوصفه طرفًا معنيًا بإثبات أن الخطاب يمكن أن يتحول إلى ممارسة.
في النهاية، ليست المشكلة في الأسئلة التي تُطرح تحت قبة البرلمان، بل في القدرة على متابعة هذه الأسئلة حتى نهايتها الطبيعية: المحاسبة، والشفافية، وإعادة الاعتبار لفكرة المساءلة العامة.
فالسياسة لا تُقاس بما يُقال في لحظات التوتر،
بل بما يُنجَز عندما تهدأ الأصوات… وتبدأ الحقيقة بالظهور.
ويبقى السؤال مفتوحًا كما بدأ:
هل نحن أمام بداية مسار حقيقي لمواجهة الفساد؟
أم أمام موجة سياسية جديدة ستنتهي حين ينطفئ الضوء عن الكاميرات؟