كنانة نيوز –
هل دخل الأردن مرحلة “المعارضة الإعلامية الناعمة”؟
عدنان نصّار
في الأردن، لم تعد المعارضة تُقاس بعدد المقاعد الحزبية، ولا بحجم الهتافات في الساحات، بل بحجم الغضب الذي يتسلّل يوميًا إلى الهواتف المحمولة، ويخرج على هيئة منشور، أو فيديو، أو تعليق ساخر يحمل من الدلالات ما يفوق أحيانًا بيانات السياسة التقليدية كلها.
لقد دخلت البلاد، بهدوءٍ تدريجي، مرحلة يمكن وصفها بـ”المعارضة الإعلامية الناعمة”، وهي معارضة لا ترتدي عباءة الأحزاب، ولا تتحرك وفق بيانات معلنة، لكنها تتشكّل من تراكمات المعيشة الصعبة، واتساع الفجوة بين الناس والخطاب الرسمي، وشعور عام بأن المواطن بات يسمع كثيرًا من الوعود، ويعيش قليلًا من النتائج.
في الماضي، كانت الحكومات تعرف خصومها بوضوح؛ حزب هنا، نقابة هناك، أو تيار سياسي يرفع سقف الخطاب في مواجهة الدولة. أمّا اليوم، فالصورة أكثر تعقيدًا. الخصم الحقيقي لأي حكومة قد يكون “مزاجًا عامًا” لا يمكن اعتقاله أو التفاوض معه. مزاجٌ يتغذّى من ارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية، والإحساس بأن الطبقة الوسطى تنزلق ببطء نحو القلق الاقتصادي والاجتماعي.
الإعلام الجديد لعب دورًا مفصليًا في هذا التحول.
فمنصات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة ترفيه أو فضاء شخصي، بل أصبحت ساحة سياسية مفتوحة، يشارك فيها الجميع: المواطن الغاضب، والموظف القلق، والكاتب الساخط، وحتى المسؤول السابق الذي وجد في “الفيسبوك” مساحة تأثير أكبر من المكاتب المغلقة.
كما أن السوشيال ميديا لم تعد مجرد أداة لنقل الحدث، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب سياسي واجتماعي شديد التأثير، خصوصًا بعد أحداث ما سُمّي بـالربيع العربي، حين لعبت المنصات الرقمية دورًا محوريًا في نقل الغضب الشعبي وتنظيمه وتوجيهه. ففي لحظاتٍ كثيرة، تشكّل ما يشبه “التنظيم الشعبي الرقمي” العابر للأطر التقليدية، حيث أصبح الهاتف المحمول غرفة عمليات مفتوحة، وأصبح الهاشتاغ أحيانًا أكثر قدرة على الحشد من الأحزاب نفسها. ومع الوقت، خرج هذا التأثير عن السيطرة التقليدية للمؤسسات السياسية والإعلامية، بعدما بات الرأي العام يُصنع لحظيًا، ويتحرّك بسرعة تفوق قدرة الحكومات على الاحتواء أو التفسير أو حتى مواكبة الحدث.
وهنا تحديدًا، بدأت تتشكّل “المعارضة الناعمة”.
معارضة لا تدعو إلى إسقاط الدولة، لكنها تضغط بقوة على الحكومات. لا ترفع شعارات أيديولوجية كبرى، لكنها تُرهق أي مسؤول بعشرات الأسئلة اليومية حول الضرائب، والكهرباء، والرواتب، والبطالة، والأسعار، والعدالة في توزيع الأعباء.
وفي حالة حكومة جعفر حسان، يبدو المشهد أكثر حساسية.
فالحكومة تواجه لحظة اقتصادية واجتماعية دقيقة، بينما يتحرك الشارع بسرعة أكبر من قدرة الخطاب الرسمي على التفسير والإقناع. لذلك، فإن أي قرار اقتصادي، مهما كانت مبرراته الفنية، يتحول فورًا إلى قضية رأي عام، تُناقش في المقاهي والبيوت وصفحات التواصل، لا داخل المؤسسات فقط.
وربما المشكلة الأعمق أن بعض دوائر القرار ما تزال تتعامل مع الإعلام بوصفه “مرآة” تعكس ما يحدث، بينما تحوّل الإعلام الرقمي فعليًا إلى “فاعل سياسي” يشارك في تشكيل المزاج العام وصناعة الانطباعات.
لكن الإنصاف يقتضي القول أيضًا إن النقد ليس دائمًا مؤامرة، كما أن كل حملة إلكترونية ليست بالضرورة مشروعًا لإسقاط حكومة. فهناك فارق بين إعلام يعبّر عن الناس، وإعلام يوظّف غضب الناس لأهداف أخرى. كما أن هناك فارقًا بين معارضة وطنية تريد الإصلاح، وحالة فوضى إعلامية قد تدفع الشارع نحو مزيد من فقدان الثقة بكل شيء.
الأردن اليوم لا يواجه أزمة أمن بقدر ما يواجه أزمة ثقة.
والدول لا تُرهقها المعارضة التقليدية بقدر ما يُرهقها ذلك الشعور الصامت الذي يتسلل إلى الناس حين يعتقدون أن صوتهم لا يصل، وأن القرارات تُصنع بعيدًا عن يومياتهم الثقيلة.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يسيطر على الرواية؟
بل: من يملك القدرة على الإصغاء قبل أن يتحوّل الهمس إلى غضبٍ عام لا يمكن تجاهله؟