العودة للحمير / كامل النصيرات

العودة للحمير 

كامل النصيرات

حينما كنتُ أذهب للمدرسة من بيتنا الذي في مزارع القرية كلّ يوم؛ كنت أرى عشرات الحمير؛ لم يكن ركوب الحمار معيباً بل كان وسيلة مواصلات محترمة ولها فخامتها؛ وكلّما زادت السيارات قلّت الحمير؛ إلى أن وصلنا إلى (نُدرة وجود الحمار) حتى في القرى والبوادي التي يجب أن تتواجد فيهما..!
الحمار ليس فاسداً..لا يخذلك في طلعة؛ لا يحتاج إلى تغيير زيت؛ لا يجعلك تؤجل مشاويرك كي تؤمّن بنزينه أولاً..! الحمار؛ لا يطلب منك إلاّ طعامه المتوفّر والمجاني في كلّ مكان ويريد منك الايواء فقط..! الحمار يعرف أنك تقيم معه سلاماً دائما وكلاكما صادقان..! الحمار لا يضطّرك للتزمير طوال النهار للحمير الأخرى..ولا يفاجئك بأية مخالفات ولا يحتاج لترخيص ولا إلى طفّاية..! الحمار راضٍ بك طالما أنت راضٍ به..! الحمار سيعفيك من كلّ ضرائب الحضارة المزيّفة والتكنولوجيا التي سرقت الجينات الحقيقية للإنسان..!

سيستنكر عليّ الجيل الجديد كلامي هذا.! بل إنني أتخيّل ابني (وطن) ممسكاً موبايله؛ مبطوحاً على فرشته؛ يقول بعد أن تصل إليه طراطيش من فكرتي: أبوي شَرّتْ..! بينما سيكون ابني (غاندي) أكثر لباقة منه وسيقول وهو يحلم بالسيارة اللمبرجيني: أكيد قصدك (حمار لمبرجيني) ثمّ يضحك ضحكته المعتادة ويذهب ليكمل أحلامه القادمة..! بينما ابنتاي (بغداد وجيفارا) ستواصلان تشجيعي على ما أكتب دون أن تقرآ شيئاً من باب أنا حرٌّ بما أذهب إليه وتواصلان مطاردة (البِسَسْ) التي تحجز أفخر الأماكن لها في بيتي..!
آه لو الزمان يعود قليلاً كي أريكم مَنْ حماره يفهم أكثر من الثاني..!