موت قائظ / أحمد حسن الزعبي

موت قائظ

أحمد حسن الزعبي

لم أكن أبصر أعمدة الحياة بعد ،حتى خرّ عليّ سقف الموت..
قبل ثلاث وثلاثين سنة ،في السابع عشر من آب ،في مثل هذا اليوم القائظ تحديداً مات أبي..غادر الرجل الحياة بصمته المعهود ووقاره الأبوي الذي لم يخدش حتى وهو في شدّة تألّمه..كنت طفلاً خجولاً وعاطفياً وحساساً، وأعتقد أني ما زلت أحتفظ بهذه الصفات رغم خشونة صوتي ،وابيضاض شعري،وأمراضي المزمنة ،وصلابتي المضخّمة التي أحاول أن أوهم بها أولادي..
في تلك الليلة ، لم يجرؤ أحد أن يخبرني أن أبي قد مات.. كان الليل حالك السواد ،والصمت مطبق على عمّان الصاخبة – أو ربما لم أعد أسمع شيئاً الا صوت تخوّفي – أحاول أن أفهم الهمس الدائر بين أخوتي وأعمامي ،أو أقرأ جملة واحدة من العيون تدلّني على خيط ما حدث، كل العيون مبللة ،والأصوات مرتبكة ، أنهم يخفون عني الكلمة فقط، أم الخيمة السوداء فأنا أراها بعيني تماماً.. أمي تبكي وهي تجمع أغراضنا استعداداً للعودة ،الأخوة تائهون ، الرحيل مفاجئ ، وعمّان موحشة… وصل “بكم”أحد الأقارب بعد منتصف الليل إلى عمّان حملنا جميعاً وعاد بنا إلى الرمثا..كان الكلام طوال الطريق عن الصبر ،والصدمة الأولى ، والحياة الغرور،وحسبنا الله ونعم الوكيل، واذا عمّ الصمت قليلا في البكم ،انبرى أحدهم بقول لاااااا اله الا لله بصوت مرتفع ..كل هذا ولا يريدون أن يقولوا أن أبي قد مات!!!..
وصلنا ،كان باب الدار مفتوحاً على مصراعيه على غير العادة ،”نيمّوا الزغار” سمعتها من أحد أعمامي ، سوّي فراشنا على عجل ، وضعت نفسي بالفراش والدمع في عيني ،لم أنم..وكيف أنام؟؟؟… تذكّرت رائحة عرق أبي المميّزة التي لم تفارقني الى اللحظة ، تذكّرت رائحة دخانه “الجولد ستار سعودي” ،وثوبه البني ، ومسبحته العسلية ، وضحكته النادرة الجميلة ، وملامحه الجادة ،وتجاعيد الشقاء على جبهته ،وطريقة وضع العقال، ودوزان طرفي الشورة قبل وضع العقال ، تذكّرت لحيته الخشنة على خدّي ، ومناداته لي بالأمير ،تذكّرت مصحفه الكبير ، تذكّرت ختمه الخشبي، وخطّه البسيط “المشلبك” على فواتير الخضار التي كان يأخذها الى السعودية- بالمناسبة أبي لم يقرأ سوى أسبوعاً واحداً عند الخطيب ثم غسل جدّي وجه أبي بماء الشعير ليقنع الخطيب أن أبنه مريض ولا يصلح للتعليم ،فهو بحاجة الى حرّاثين من صلبه – تذكّرت شجر الحاكورة الذي زرعه بيديه ، والليمونة التي كان يرعاها بشكل خاص..تذكّرت أن النهار سيطلع بعد قليل دونه فبكيت دون أن يراني أحد سوى عتمة الوقت..
في المقبرة ،ظُهر يوم السابع عشر من آب 1987، بكت الرجال على المقبرة ، ومن النادر أن أرى رجالنا يبكون ، عمّي “علي” مثلاً،كان يجلس على حجر قريب أخذ طرف الشورة وجفف مدمعيه بسرعه ،لكن صوته كان يبكي بغزارة وهو يتلقّى التعازي..مات أبي ، ودخلنا في حداد طويل ،يشبه سلسلة جبال بركانية لا تنتهي، لا طريق واضحة المعالم ، ولا لوحات ارشادية تنبهنا من تساقط الأعمار،ولا نهاية لهذا الحزن المزمن…
مات أبي..لكن رائحة الأبوة الممزوجة بدخانه المعتّق ما زالت عالقة بكل غرف الدار ..مات أبي وعيناه العسليتان ما زالتا ترمقا طفولتي هناك في بيتنا الشرقي..مات أبي منذ ثلاث وثلاثين سنة ،وكلما هزّتني الريح أو أثقل الحمل ظهري..أقولها بصوتي المتعب ..أبتي يا بيتي..”أخ لو انك موجود يابا كان تخبّيت فيك”..

احمد حسن الزعبي
[email protected]