“كلمنتينا” / احمد حسن الزعبي

“كلمنتينا”

احمد حسن الزعبي
من غير مقدّمات لا لزوم لها، أشعر أنني أصبحت “باص كوستر” قديم على خط اربد عمان أقوم بنفس الواجب الروتيني ، وأطلق ذات الدخنة السوداء عند المواقف الصعبة ، أمشي على نفس السرعات المتاحة وأزفر بنفس الصوت الخشن ، متقبلا غبار الطريق وطين الشوارع ، أحمل الأخبار من مكان الصدور وأفرّغ الأخبار في مكان النشر وآخر الليل أطفئ محركّي الساخن لأصحو على يوم يشبه سابقاته.

**

أكثر ما أفتقده هذه الأيام نفسي الهادئة ، أشتاق إليّ أكثر من أي وقت مضى ، أشتاق إلى غرفتي المسالمة ،إلى صوبة الفوجيكا التي تثرثر بلغة الوهج والنار بعد توقف دام ثلاثة فصول متتالية، إلى إبريق شاي يغلي طويلاً ويزفر بخاراً ناعماً.. إلى نقطة ظلت تسيل من “زنبعة” ابريق الكاز إلى قاعه وقد انتبذ مكاناً خلف الباب ، إلى سكينتي المرتبطة بمخزون استراتيجي “قالون” كامل من الوقود في المخزن ، و3 كيلو فول في “فواتي المطبخ” تستخرج عند المنخفضات ،إلى فردة جوارب أصغر الأولاد، ودفاترهم المثقلة بالحروف نهاية الأسبوع ، أشتاق إلى أن أعود أباً حقيقياً أحمل هم الأولاد فقط لا هم سواهم، أعيد احتضان الفروة من جديد عند موجز الثامنة ، أضع الأكمام على خدي وأستمتع بجوٍ مجنون في الخارج، أراقب الشجر وهو يقود مظاهرة سلمية في وجه الريح ولا يزيح عن مكانه..أشتاق أن أرى من خلف الشباك رب أسرة مثلي فرح بكيس خبز ساخن للتو ظفر به من الفرّان القريب وكيس فلافل وكيلو عوّامة ، أشتاق إلى رائحة قشر الكلمنينا حول الحفتنا وزيتها اللزج الذي لا يبرح أصابعنا، أشتاق أن أبدو حذقا عند شراء رأس ملفوف بلدي ،أجبر البائع على إزالة “الورش”..وتطرب أصابعي لقطرات المطر الأخير بين وريقات الرأس..
أشتاق إلى مقالاتي الساخرة القديمة ،عندما كان الوطن بسيطاً،ومشاكله روتينية، إلى القضايا السهلة ،والأحلام السهلة والغضة كشتلة نعناع، أشتاق إلى بداياتي في الصحافة إلى شعري الأسود المغادر ،وقصاصات الجرائد المخبأة في محفظتي لتذكرني بفكرة مقال..أشتاق إلى رائحة البيض المقلي من مطبخ أمي ،وجنون الهال وفوران القهوة اليومي على الغاز القديم..أشتاق إلى الآباء الطيبين الذين قليلاً ما يتكلمون بالسياسة وكثيراً ما يتكلمون عن الأولاد..أشتاق إليّ أكثر من أي وقت مضى..أشتاق إلى قمة القناعة..ريح حنون، مطر طيب، دفء وافر وصوبة ودودة وصحن كلمنتينا..وعطلة طويلة.

احمد حسن الزعبي
[email protected]